الثلاثاء، 1 يوليو 2014

المجتمع بوصفه حقلا للصراع عند ميشال دو سارتو ـ محمد شوقي الزين

أحد الإبتكارات الأصيلة عند ميشال دو سارتو (مفكر ومؤرّخ فرنسي 1925-1986) هو بلورته المفهومية لثنائية «الإستراتيجية» و«التكتيكية» في قراءة المجتمع المعاصر. هذه الثنائية ليست جديدة لأنّها تركّب المعجم التقني للعمليات الحربية والمناورات العسكرية. لكن الأصالة المفهومية التي تحلّى بها دو سارتو هي إزاحة المصطلح من نظرة «حربية» إلى نظرية «إجتماعية» و«سياسية» دون التخلّي عن الدلالة الصراعية التي تنطوي عليها. 
تتضمّن الإستراتيجية في بعدها الاشتقاقي ما يسمّيه الإغريق «بوليموس» (polemos) بمعنى الصراع والذي كان يرى فيه هيرقليطس «أب الأشياء جميعاً» (polemos pantôn mèn pater) ومنه انحدر مصطلح السجال أو الجدال (polémique) لما يحتمله من أخذ وردّ، الفعل وردّ الفعل، المناظرة، إلخ. فهو لا ينفكّ عن نمط صراعي في التعامل أو التداول. 

الرصيد والصفقات: بين النسق واستعمالاته.

يشتمل البعد الصراعي على الإستراتيجية والتكتيكية، الأولى تنتظم وُفق مخطّطات أو بيانات أو قرارات هي نتاج التخمين أو التدبير أو المداولة بين أصحاب القرار ؛ والثانية تتدخّل في الميدان حسب الفرص المتاحة والعمليات المعقّدة التي يتمّ إدارتها. فالإستراتيجية هي نوعاً ما «نخبوية» لأنها تتطلّب المشاورة والتفكير الدقيق والمداولة وغيرها من الممارسات الفكرية التي تدوم في الزمن وتتطلّب الرؤية المعمّقة ومعالجة كل السيناريوهات الممكنة. بينما التكتيكية هي «آنية» أو عابرة لأنّها مجرّد تدابير ينبغي أخذها في الميدان، خصوصاً في اللحظات المعقّدة وغير المتوقّعة مثل المعارك. لا شكّ أنّ غاستون بوثول عالج بشكل دقيق ومفصّل كل هذه العمليات في كتابه رسالة في الدراسات الحربية(1) وهو أوّل كتاب يعالج الحرب كظاهرة معرفية تُدرَس بأدوات علمية. فهو يعتبر الدراسات الحربية كعلم في الصراع قصد تحديد الآليات والعمليات والمقاصد والنتائج والآثار، أي سيرورة متماسكة ومنطقية بمعزل عن القراءات الأخلاقية أو السياسية التي ترى في الحروب أو العداءات ظواهر غير إنسانية وغير أخلاقية. لا شكّ أنّ الأمر هو كذلك، خصوصا في النتائج المروّعة التي تعود بالوبال على الأفراد أو الجماعات أو الممتلكات. لكن مسوّغ الدراسات الحربية التي عمل غاستون بوثول على بلورتها وتنظيرها ليس هو نتائج الصراع وإنّما مقدّماته بمعنى دوافعه أو حيثياته أو سلوكاته الواعية أو غير الواعية، إلخ. 
ينطلق دو سارتو بلا شكّ من هذه الفكرة في إثراء هذه الثنائية وقراءة المجتمع بموجبها. والملاحظ أنّ السوسيولوجي والفيلسوف هنري لوفيفر كان قد استثمر هذه الثنائية في مشروعه الضخم، ذي التوجّه الماركسي، نقد الحياة اليومية(2) وكان دو سارتو قد استفاد من أفكار لوفيفر. فهذا الأخير يعتبر أنّ الأفراد في المجتمع يواجهون صعوبات أو عوائق وأنّ مصيرهم أو مستقبلهم غير محدّد المعالم. فيتّخذون التدابير أو الإجراءات المواتية قصد تجنّب هذه المعضلات أو التقلّبات. فهم يختارون أفضل الوسائل من أجل أحسن النتائج، وفي الاختيار تكمن حصافتهم أو براعتهم في تفادي العوائق والظفر بالنجاحات. فهم يملكون الرصيد (الطابع الإستراتيجي)، أيّاً كانت طبيعته، فكري أو يدوي أو جمالي، ويملكون الصفقات (الطابع التكتيكي) وهي العمليات التي يقودونها ببراعتهم الخاصّة. بهذا المعنى يختزل لوفيفر الفعل البشري إلى هذه الثنائية، بين رصيد وصفقات، أو بين رأسمال ومعاملات، أو بين إرث واستعمالات، أي بين إستراتيجيات وتكتيكات. فهو يضع الإستراتيجية إلى جانب التقدّم أو التحضّر أو العقلانية أو الثورة، بينما يعزو التكتيكية إلى الانعزال أو التقهقر أو الأفول أو الإغتراب :
 «إنّ اللحظات التي تسود فيها الإستراتيجية هي اللحظات التاريخية الكبرى ولحظات الفوران. تضفي الإستراتيجية المعنى على الجماعات وعلى حياتهم. المعنى هو توجّه أو إرشاد أو تعبير أو هدف وليس تكهّناً هادئاً ينبغي الحصول عليه فلسفياً بفضل المتخصّص أو الفيلسوف. المعنى هو دراما تؤسّسه إستراتيجية الجماعات أو تبتكره »(3).

 والتكتيكية من هذا المنظور هي انغماس الأفراد أو الجماعات في ما يسمّيه «تفاهات الحياة اليومية». لا شكّ أنّ أطياف ماركس توجّه بشكل لا شعوري أفكار لوفيفر عندما يجعل من الإستراتيجية لحظة الدراما أو الاحتدام أي اللحظات الثورية، بينما التكتيكية هي اللحظات الروتينية والابتذالية حيث يمثّل المجتمع الإستهلاكي إحدى تجليّاتها. لكن لا يعزل لوفيفر الإستراتيجية عن التكتيكية لأنّ الوعي الفردي أو الجماعي لا ينفكّ عن التحوّل والارتقاء كما تؤمن به المادية الجدلية والمادية التاريخية في الخطاب الماركسي. غير أنّ لوفيفر يشكّ في الغايات السرمدية كما تبديها كلّ فلسفة جدلية بنفي النقيض. فهو يتحدّث عن تحوّلات رجعية (أو «رجئية» إذا استعملنا مصطلحاً تفكيكياً) لا تنفكّ عن العَوَد والارتقاء دون إلغاء التناقضات. بين الإستراتيجية والتكتيكية هناك تناوب: بين ضرورة وإمكان، بين صرامة وهشاشة، بين جدّ وهزل، بين دراما وكوميديا، إلخ.

يستثمر ميشال دو سارتو بذكاء هذه الثنائية كما عالجها لوفيفر في نطاق توجّهه الماركسي. فهو يضفي دلالة أخرى مغايرة تماماً عن التصوّر الماركسي للوفيفر. ليست الإستراتيجية عنده جملة الأحداث الثورية اللامعة ولكن تجسيداتها المؤسّساتية في السياسة والدين والمعرفة العلمية. بتعبير آخر، الإستراتيجية هي «الجسد» المؤسّساتي (منظومة، نسق، قالب) لسياسة أو إيديولوجيا أو مختبر علمي لما ينطوي عليه من علاقات في القوّة وتعابير في التصنيف والتقييد وتدابير في العزل والإقصاء. وليست التكتيكية اللحظات الهزلية أو الاستهلاكية أو الإبتذالية وإنّما القوى المبعثرة لأفراد أو جماعات وهي قوى تجوب حقل الإستراتيجية لانتهاز الفرص بحِيَل أو براعات قصد تحقيق هدف أو مرمى. 

 «أسمّي إستراتيجية حساب العلاقات في القوّة الذي يصبح ممكناً عندما تُعْزَل «ذات لها إرادة» عن بيئتها (مهما كان شكل هذه الذات: شركة أو حاضرة أو مؤسّسة علمية). نحصل إذن على محلّ خاصّ تتّصل من خلاله القوى المحسوبة بالخارج: يتعلّق الأمر بالموديل المكيافيلي الذي يميّز المكان عن الفعل. بناءً على هذا النمط الإستراتيجي شُيِّدت العقلانية الرسمية، السياسية والعلمية والاقتصادية»(4). 

يتطلّب هذا التعريف بعض الإيضاحات والتفكيرات:

أوّلاً، في الإستراتيجية يؤكّد دو سارتو على أهمّية «الحساب» لأنّ العقل هو أساسا الحساب كما يوحيه أحد اشتقاقاته، أي قدرته على إدارة العمليات المعقّدة أو استنباط النتائج من المقدّمات ؛ وهو أيضاً عقل تصنيفي بإنشاء الجداول والمراتب والشبكات. هذه التقنيات (الحساب والتصنيف) هي إرادة في القوّة أو سلطة، تتسلّح بها الذات قصد عزل أو ترتيب مواضيعها. والذات هنا هي «ذات جمعية» بمعنى مؤسّسة أو منظومة. يتعلّق الأمر بشركة أو جيش أو مُختبر. 

ثانياً، يراهن دو سارتو على أهميّة «المحل الخاصّ» أو المكان الخصوصي الذي يجعل بينه وبين موضوعه الخارجي مسافة ضرورية لكلّ تعقّل أوفهم أو عزل: مثلاً الجيش تجاه العدوّ، الحاضرة أمام البادية، المؤسسة العلمية مقارنةً مع مواضيعها المستعصية (كما عالج ذلك ميشال فوكو: الجنون، الموت، الآخر، إلخ). يتعلّق الأمر إذاً بهويّة أمام غيرية ينبغي تطويعها أو قهرها قصد التحكّم فيها أو دراسة أغوارها ومكامنها. فالمحلّ الخاصّ هو المكان الذي تتضافر فيه القوى وتتوزّع المهامّ و تنشأ التداولات قصد بناء خطاب “حقيقي” (عقلاني أو علمي أو سياسي أو إيديولوجي) حول مواضيع التي هي عرضة للإقصاء أو الحجز. إنّه محلّ التداول و صناعة القرارات. 

ثالثاً، بالإشارة إلى المكان الخاصّ كمحلّ للعقلانية والقرار العلمي أو السياسي، يعتبر دو سارتو أنّ الإستراتيجية هي انتصار المكان على الزمان. لأنّ في المكان أي في المؤسّسة الانضباطية، السياسية منها والإقتصادية والعلمية، يمكن توزيع القوى والحفاظ عليها. ويمكن أيضاً، كما ذهب إلى ذلك فوكو في قراءته لجيريمي بنثام، إنشاء «البانوبتيكون» (أو «العين الحلولية»، أو المراقبة المعمّمة) قصد العزل أو الرقابة. يتعلّق الأمر إذاً بمعرفة (منظومة سياسية أو علمية أو اقتصادية) ذات غاية سلطوية.

هذا بشكل موجز الخاصيّات الأساسية للإستراتيجية، فماذا عن التكتيكية؟ 
«أسمّي بالمقابل تكتيكية حساب القوى التي تفتقر إلى محلّ خاصّ وإلى حدّ يميّز الآخر ككليّة مرئية أو جليّة. فليس للتكتيكية من مكان سوى مكان الآخر. فهي تؤدّي أدوارها داخل نص أو نسق الآخر. فهي تتسلّل فيه بشكل متشظّ دون أن تقبض عليه تماماً، بمعنى دون أن تستبعده. فليس لها قواعد يمكن من خلالها أن تموّل فوائدها. فهي تنحصر في اللحظة، بينما الإستراتيجية هي دوماً انتصار المكان على الزمان »(5). 

أولاً، نفهم من هذا التحديد أنّ التكتيكية تفتقر إلى مكان خاصّ، فليس لها موضوع معزول يمكنها الإحاطة به بأدوات معرفية ذات غايات سلطوية. فالتكتيكية تخضع إلى القانون الذي يحكم الإستراتيجية. هي بمثابة «الدخيل» أو «المتطفّل» الذي يحلّ في مكان ليس مكانه، ولكن يستملكه أو يجوبه على سبيل التجوُّل دون الإقامة فيه.

ثانياً، في التكتيكية تنعدم الرؤية البانوبتيكية ذات الأبعاد الرقابية والسلطوية. فهي حركة دؤوبة وخفيّة. تشتغل في مواقع الظلّ أو الغياب. تجوب الأمكنة والأروقة. 

ثالثاً، خلافاً للإستراتيجية التي تنبني على المكان، تتحفّز التكتيكية بالزمان، الزمان الهيرقليطي الذي هو سيلان دائم أو حركة متموّجة. فهي تربط علاقة وثيقة بالفرصة، أو «الكايْروس» (kaïros) كما يسمّيها الإغريق. التكتيكية هي انتهاز الفرص المتاحة في اللحظات الملائمة.

النسق اللغوي كمَثَل إستراتيجي و تكتيكي

من الملاحظ أنّ هذه الثنائية لها علاقة وطيدة بثنائيات لعبت أدوارا هامّة على صعيد العلوم الإنسانية، وخصوصاً في الألسنية، مثل المنطوق/فعل التعبير (énoncé/énonciation)، اللغة/الكلام (langue/parole). مثلما أنّ المنطوق هو نسق من العبارات، فإنّ فعل التعبير (أو ما يسمّيه التداوليون في اللغة speech act) هو ممارسة فعلية للمنطوق. أيضاً اللغة هي نسق من العلامات، والكلام هو استعمال فعلي أو ممارسة فعّالة للغة كما ذهب إلى ذلك إميل بنفونيست (E. Benveniste) على خطى دو سوسير (F. De Saussure). بالقياس، الإستراتيجية هي أيضاً نسق من الأعراف أو القواعد والتكتيكية هي استعمال فعلي من شأنه أن يزيح هذا النسق عن مرماه الأصلي. اللغة مثلاً هي قواعد صورية أو منظومة من التشكيلات الخطابية تتّخذ دلالتها الحقيقية عندما تُستعمَل أي عندما يتدخّل المتكلّم (أو الذات الناطقة) في التعبير عن شيء ما. فلا تصبح اللغة فعلية سوى عندما يستعملها الفرد في مبادلاته اليومية من أقوال أو أفعال أو إجراءات أو أداءات. 

لكن من الملاحظ أنّ نسق اللغة هو نسق افتراضي أو اعتباري (virtuel) ولا يصبح فعلياً سوى عندما يُمارَس. بينما الإستراتيجية هي نسق واقعي لأنّها جسد مؤسّساتي هو جملة القوانين والعلاقات في القوّة التي تمنح لهذا الجسد تماسكه العضوي وبنيته السلطوية. لكن دو سارتو يقوم بمقاربة صورية بين نسق اللغة ونسق الإستراتيجية ليبيّن كيف أنّ اللغة هي فضاء من العلامات ترتدّ إلى خطاب بوجود عوامل موضوعية مثل المتكلّم (locuteur) والسياق (contexte) والإستعمال (usage)، والإستراتيجية هي أيضاً هيكل من القوانين والقواعد مخصّصة للاستعمال والتداول. ففي الإستعمال (usage, use) يكمن الوجه العملي للغة، والبعد التكتيكي للإستراتيجية. لأنّ الإستعمال هو استعمال فردي في سياق معيّن، بمعنى سلوك فرداني منعزل عن غيره من السلوكات. وجملة السلوكات داخل مؤسّسة معيّنة وموجَّهة نحو أغراض أو أهداف تؤسّس الإستراتيجية في بعدها المعرفي والسلطوي. ولكن إذا كانت التكتيكية تشتغل خُفيةً في المكان المربَّع والمراقَب للإستراتيجية، كيف يمكن التفريق بين ما هو «إستراتيجي» ونتاج سلطة أو علاقات في القوّة، وبين ما هو «تكتيكي» حصيلة أفعال فردية ببراعاتها الذاتية واشتغالاتها الآنية؟ 
إذا كان دو سارتو لا يعزل الإستراتيجية عن التكتيكية، لأنّ هذه الأخيرة ليس لها من محلّ خاصّ سوى المكان الإستراتيجي، فهو يعتبر أنّ الأفراد الذين يَنْضمّون إلى مؤسّسة معيّنة (سياسية، علمية، اقتصادية، أو المجتمع باختصار) لا يخضعون بالضرورة إلى القوانين القهرية لهذه المؤسّسة سوى على سبيل الإلتزام الظاهر. فهم يشتغلون في الخفاء لصناعة أنماط في السلوك مرنة ومفتوحة، أو لإزاحة هيكل الأعراف باستعمالاتهم الذاتية. لأنّ الإستعمال في سياق مؤسّسة أو مجتمع هو على غرار التأويل لنصّ معيّن (فلسفي أو ديني أو أدبي)، بمعنى «دلالة» فردية بمعزل عن «المعنى» المفترض للنصّ. للنصّ معنى ثابت تدلّ عليه ماديّته اللغوية أو «شيئيته النصيّة» كما يسمّيها بول ريكور، والدلالات المتعدّدة أو المتضاربة أو المتناقضة هي نتاج تأويلات فردية أو رؤى ذاتية مرتبطة بكل فرد على حِده، أي بتاريخه الشخصي وبسياقه التاريخي والثقافي وبحدوسه أو إدراكاته. فلا يخضع القارئ للنصّ، أو ما أسمّيه «الفاعل التأويلي»، وإنّما يزيحه تبعاً للسياق والغرض والظرف. فلا تتطابق دلالاته مع «المراد الدلالي» للنص، لاختلاف المعطيات والسياقات والأزمنة والإرادات. 

يتعامل دو سارتو مع المؤسّسات المعرفية والسلطوية بالمنطق نفسه. التكتيكية هي إرادات الأفراد داخل الإستراتيجية وهي، بلا شكّ، إرادات متعدّدة ومتناقضة، لها سلوكات تختلف حسب الظروف أو المعطيات أو القرائن. وعلى غرار «التأويل» في اللغة، يصبح «الإستعمال» هو المعيار الأساسي في الأفعال أو الأداءات الفردية. لكن إذا كانت التكتيكية هي الإرادات أو الرغبات الفردية، فإنّ دو سارتو لا يختزل المجتمع إلى جملة هذه الإرادات، لأنّه يَعْتَبِر، على غرار الدراسات الإجتماعية التي تعطي الأولوية للكلّ على الجزء أو الفرد (holisme)، أنّ العلاقات هي في جوهرها علاقات «إجتماعية»، فلا يمكن الإعتداد بما يُسمّى «بالذريّة الإجتماعية» (atomisme social). فالعلاقات الإجتماعية تحدّد الأفراد، وفي كلّ فرد هناك علاقات أو تعدّديات تميّزه والتي تربطه بهذه العلاقات الإجتماعية. فليست المسألة قضيّة «ذات» منعزلة أو شظيّة فردانية، وإنّما أنماط الفعل أو أشكال الأداء التي تحدّدها. ولا ريب أنّ هذه التحديدات تعكس المجتمع بوصفه حقلاً للصراع أو حلبة للنزاع، وفي هذه الخاصيّة «البوليموسية» تكمن هوية كلّ مجتمع، بمعزل عن هويّاته الثقافية أو التاريخية. فالأفراد في صراع دائم ليس فقط ضدّ بعضهم البعض تبعاً للخيارات أو الفوائد التي يسعى كل فرد للذود عنها، وإنّما أيضاً ضدّ النسق الإستراتيجي الذي يشتغل أو يتحرّك فيه هؤلاء الأفراد. حركتهم هي بمثابة السلوك التكتيكي، الخفي أو المتواري، داخل التربيع الرقابي للإستراتيجية.
أولوية الصراع: هذا «الذكاء» الذي «يذكي» الممارسات. 

إذا كان دو سارتو يوافق فوكو على الطابع «الجَبَروتي» لتقنيات الانضباط والمعاقبة في كلّ مجتمع تسوده المؤسّسات البيروقراطية المعقّدة، فإنّه لا يوافقه على اختزال المجتمع في رمّته إلى «سجن» مُغلَق ومراقَب. لأنّ هناك مداخل أو مخارج أو معارج يمكن للأفراد (البُعد التكتيكي) اتّخاذها أو العبور بها دون مغادرة حقل الإنضباط أو الاستحكام (البُعد الإستراتيجي). وتتبدّى هذه التجاويف أو الترشّحات أو التسرّبات التكتيكية في طريقة «الإستعمال»، أي في أنماط التعبير أو أشكال التدبير التي هي ليست «تطبيقات» لقواعد وإنّما «إستعمالات» وجيهة وموجَّهة، نتاج مراس ذكيّ أو عمل نبيه. فالأمر إذاً هو صراع بين الإستراتيجيات المقنَّنة والمُمَأْسسة والتي تتبدّى في العقلانيات المعاصرة، السياسية منها والعلمية والإيديولوجية، وبين التكتيكات المتوارية والشبيهة بدبيب النمل، والتي تتراءى في الاستعمالات اليومية ذات البعد الجمالي أو الخلاّق كسلاح للمقاومة. فلا شكّ أنّ الصراع، في المعادلة الإجتماعية «الإستراتيجية-التكتيكية»، هو القالب الجوهري لكلّ مجتمع معقّد تسوده مؤسّسات معقّدة وعلاقات مركّبة ومرتبكة. هذا ما يؤكّد عليه دو سارتو في جوابه على أسئلة لوي كيري:

« ينبغي علينا أن نعيد الإعتبار للمظهر «الصراعي» في كلّ تحليل ثقافي. عندما نعرض مسألة الممارسة – بمعنى العمليات – فإنّنا نسلّط الضوء على مشكل الصراع. هذا ما تبيّنه مثلا الإبستمولوجيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع ماركس وفرويْد. فلا يمكن إقامة أيّ تحليل (علمي أو نقدي) بغضّ النظر عن الصراع. فالصراع هو أمر أساسي مثل البُعد الإقتصادي والأخلاقي والجمالي للممارسات اليومية »(6). 

طبعاً لا يفهم دو سارتو «الصراع» في دلالته الضيّقة ذات الحكم الأخلاقي والتي ترى فيه الشرّ أو الشكل اللاإنساني للنزاع والنبذ. هذه الدلالة هي مجرّد صنف محصور من نوع أكثر شمولية أو كونية، وهو صنف ركّز عليه توماس هوبس في التنّين عندما قرّر «بحرب الكلّ ضدّ الكلّ» (Bellum omnium contra omnes). الصراع الذي يعنيه دو سارتو هو ما أشارت إليه الفلسفات السابقة على سقراط، أي الصراع كإرادة أو نار حيّة تنساب في كلّ كائن أو تتسلّل في كلّ حقيقة كونية: فالصراع، أب الأشياء كلّها، يميّز أيضاً العالم الحيواني والمعدني والنباتي، وأيضاً عالم الأفكار والتصوّرات والتمثّلات. يذهب الخطاب العرفاني إلى أبعد من ذلك عندما يعمّم الصراع أيضاً على عالم الألوهية، عندما يتحدّث ابن عربي عن «اختصام الملأ الأعلى»، وعندما قال سعيد الخرّاز بأنّه عرف الحقّ بجمعه بين الضدّين عندما تلا الآية «هو الأوّل والآخر، والظاهر والباطن» (الحديد، الآية 3)، وهو ما قاله أيضاً القديس يوحنّا الصليبي (Saint Jean de la Croix). فالصراع هو أصل الأشياء أو البحر الجامع الذي تسبح فيه الحقائق مهما تعدّدت أو اختلفت أو تخالفت. 

ولكن دو سارتو لا يبقى على صعيد التصوّر الميتافيزيقي للصراع، ولكن يتفحّص تجليّاته الإجتماعية كما تعبّر عنه الثنائية «الإستراتيجية-التفكيكية»، ويبحث عن آثاره أو بصماته في الابتكارات اليومية أو الإبداعات الجمالية، مثلما تقصّاه فرويْد في الأغوار اللاشعورية: الرغبات والهواجس والضغائن والأحلام والأوهام. بهذا المعنى عمل دو سارتو على استقصاء أوجه الصراع في الحقل الإجتماعي بناءً على هذه الثنائية ويرى أنّ هذه الأوجه تتجلّى في طرائق العيش التي تفلت من التنميطات الإشهارية أو في الأذواق الجمالية التي تفرّ من الزواجر الإيديولوجية. فالممارسات اليومية تنطوي على طاقة فاعلة سمّاها الإغريق «الميتيس» (mètis) أو الحيلة الخلاّقة والدفينة(7)، وهي نار فنيّة (pûr teknikon)، ذهنية، أو ذكاء، «يذكيها» الفاعل الإجتماعي ليرى بها ويتفحّص بفضلها، على غرار المصباح في العتمة الحالكة. وهذه النار الفنيّة والذكيّة التي نذكيها في معاملاتنا وسلوكاتنا هي ذات بعد تكتيكي في مواجهة العقلانيات المركّبة والبيروقراطية ذات محتوى إستراتيجي. 

إذا كان دو سارتو يعمّم الصراع ليجعل منه حقيقة كونية قبل أن يكون ظاهرة إنسانية، فلا شكّ أنّ الإستراتيجيات العقلانية تصبح بدورها تكتيكات ذكيّة في مواجهة أعراض الطبيعة أو مخاطر الوجود مثل الأمراض والأوبئة والفقر والتصحّر والعوامل المناخية وغيرها من الظواهر التي لا نتحكّم فيها ولكن نتوقّى منها بتقنيات أو ابتكارات أو سلوكات. فلا بدّ إذاً من طوارئ أو عوارض قصوى، مستقلّة عن الإرادة الإنسانية، لكي تتحوّل الإستراتيجية إلى تكتيكية، أو لنقل أنّ الممارسات المعرفية أو السلطوية في الأمكنة الإستراتيجية تصبح ذات نزوع تكتيكي. يذهب دو سارتو إلى أبعد من ذلك عندما يجعل من التكتيكية القبلي الصوري للإستراتيجية، مع أنّ هذه الأخيرة هي القبلي الواقعي أو التاريخي للتكتيكية. لأنّ الحِيَل الخلاّقة أو الذكاءات أو المهارات التي تتسلّح بها الإستراتيجيات هي عريقة وكونية، توجد في كلّ كائن تدفعه الحاجة إلى الدفاع عن وجوده أو الذود عن حياته. فهي تكتيكات دفينة في كيفية تفادي المخاطر أو الوقوع في الأفخاخ. 

هذه التكتيكات لها خاصيّة الحيلة (ruse) في إحباط مخاطر الوجود أو الخروج من عتمته بمصابيح الذكاء. لأنّ التكتيكية هي في جوهرها حيلة أو خديعة ليس بالمعنى الأخلاقي (لأنّ هذا المعنى يحجب الدلالة الإبستمولوجية والنقدية) ولكن بالمعنى الوجودي في تفادي المخاطر أو الأهوال، أو التفاني في الابتكارات الجمالية أو الصناعات الفنيّة. فالحيلة تلبّي حاجيات الكائن في الضرورات القصوى التي تتطلّب القرار العاجل والانتباه الفوري، خلافاً للتعقّل الإستراتيجي الذي يتطلّب التمعّن الهادئ أو التدبّر الدقيق. لأنّ هذا التعقّل يشتغل في الفترات الساكنة أو الهادئة، بينما الحيلة التكتيكية تمارَس في اللحظات المضطربة أو الهائجة. لا شكّ أنّ هذه الثنائية التي عمل دو سارتو على تطويرها وإعادة فهمها تتطلّب قراءات معمّقة وتفكيرات متعدّدة، لأنّها ترتبط بالمفاهيم الكبرى التي تشكّل اليوم لُحمة التفكير الغربي سواء تعلّق الأمر باللسانيات (اللغة-الخطاب) أو الأنثروبولوجيا (الطبيعة-الثقافة) أو الفلسفة (العقل-الهوى) أو النفسانيات (الشعور-اللاشعور) وغيرها من المعارف أو الفنون. 

الهوامش

 1- Gaston Bouthoul, Traité de polémologie, Payot, 1972. 
2- Henri Lefebvre, Critique de la vie quotidienne, 1947 : Critique de la vie quotidienne, II- Fondements d›une sociologie de la quotidienneté, 1961. Critique de la vie quotidienne, III- De la modernité au modernisme, 1981. 
3- هنري لوفيفر، نقد الحياة اليومية، 2- أسس في سوسيولوجيا اليَوْمانية، ص.138 
4- ميشال دو سارتو، «ممارسات يومية»، الثقافات الشعبية، تحت إشراف ج. بوجول و ر. لابوري، تولوز، 1979، ص. 13 ؛ إبتكار الحياة اليومية، 1- فنون الأداء، باريس، غاليمار، ص.59 
5- المرجع نفسه، ص. 60
6- لوي كيري، «العلوم الإجتماعية أمام عقلانية الممارسات اليومية: أسئلة إلى ميشال دو سارتو»، المشكلات الإبستمولوجية للعلوم الإجتماعية، باريس، منشورات المركز الوطني للبحث العلمي، 1983، ص. 86
7- أنظر المقدّمات من كتابنا: الإزاحة والإحتمال، الجزائر-بيروت، منشورات الإختلاف والدار العربية للعلوم، 2008.

رضاعة التسلية.. الطريق نحو التخدير!! ـ عبد القادر ملوك

"رضاعة التسلية" هو مصطلح بالغ الدلالة أبدعه أحد كبار منظري النظام العالمي الجديد زبغنيو بريجنسكي[1]، و قد أورده مصطفى حجازي في مؤلفه ذائع الصيت "الإنسان المهدور" في سياق حديثه عن هدر الوعي الذي أمسى يتعرض له شباب العالم في عصرنا الراهن، و الشباب العربي بشكل خاص، بفعل برامج التسلية، أو برامج صناعة النجوم، التي تبثها شاشات القنوات التلفزية المتعددة.


لقد شهد العالم المعاصر طفرة إعلامية و تكنولوجية هائلة ألقت بظلالها على نمط حياة الناس إيجابا كما سلبا؛ أما المنحى الايجابي فهو مما لا نجد وسيلة لنكرانه إذ باتت ملامحه بادية على جميع المستويات؛ إغناء الجانب التواصلي، رفاهية الحياة..الخ و ما يهمنا هنا هو المنحى السلبي ما دامت قراءتنا هذه قراءة نريد لها أن تكون متأزمة لنمط العلاقة السائدة بين التقدم التقني الإعلامي من جهة و بين المتلقي الشاب على وجه التحديد من جهة ثانية.


هكذا بمُكنتنا الإقرار بأن برامج التسلية، التي استحوذت على المشهد الإعلامي الراهن، إلى درجة صارت معها الشاشة "البديل الفعلي عن الواقع مسدود الآفاق و الخالي من الانجازات"[2] بما تلفظه من مواد في وجوه مستهلكين مهدوري الوعي، تهدف أو بالأحرى يهدف القيمون عليها، بما أنها ليست أدوات تشتغل بمفردها، بل يوجد وراءها أناس يخططون و ينظمون و ينفذون، قلت إنها تهدف إلى المحافظة على توازناتها الداخلية و خدمة أهداف تفوق الإنسان بل و تناقض أحلامه في بعض الأحيان، لذلك أصبحت أدوات لتكييف المجتمع و تسطيح الفكر و قتل كل بوادر التفكير النقدي. و هي أمور لن يفطن بها المرء إلا إذا وضع معها مسافة نقدية و أخضعها للفحص و التمحيص و بين جيدها من قبيحها و طيبها من خبيثها. أما دون ذلك، فيبقى يرزح تحت ثقلها، تذيقه من الصنوف ما تريد و تشكله على النمط الذي ترتئيه.


فإذا نحن وقفنا على سبيل المثال، لا الحصر، عند بعض برامج التسلية الأكثر إقبالا و شهرة من قبيل ستار أكاديمي أو سوبر ستار أو الأخ الأكبر أو تلفزيون الواقع، فسنلفي أنفسنا أمام نوعين من الحلم يصبوان نحو التحقق؛ حلم أول يمكن أن نسميه ب"حلم المشارك" الباحث عن النجومية السريعة، تلك النجومية التي هي صنيعة التلفزيون و نسب المشاهدة و التي استبدلت المعايير "الكلاسيكية" للنجاح المتمثلة في التعلم و التدرب و التجريب و التعرض لأخطار الفشل و التحدي و صقل المواهب، بمعايير جديدة هي أبعد ما تكون عن الكفاءة في المجال، من قبيل استعراض غوايات الجسد و جرأته، و الوسامة، و أحيانا أخرى تدخل عملية التصويت المبنية غالبا على نزعة ابن البلد في صناعة نجم. هذا عن الحلم الأول "حلم المشارك" أما النوع الثاني من الحلم فهو يرتبط بالمشاهد، و هو حلم يتحقق استيهاميا حينما تجعل هذه البرامج منه مشاهدا مشاركا، ليس رغبة في إخراجه من السلبية التي تطبعه عادة و لكن طمعا في حجم الأموال التي يدرها عليها إن هو أقحم في اللعبة. و يورد هنا مصطفى حجازي رقما يكاد يكون خياليا عن نسبة مشاركة جمهور ما في برنامج معين، إذ وصلت هذه النسبة إلى مئة مليون رسالة تصويت sms لهذا النجم أو ذاك بهدف إبقائه في المباراة، و هو ما در على القناة الحاضنة ذهبا خالصا.[3] فالمشاهد لبرامج التسلية هذه ليس مشاهدا عاديا يقبع خلف شاشة و يتسلى ببرنامج انتقاه عن روية و قرر الاستمتاع بمشاهدته ساعة أو يزيد، لا، إنه مشاهد نجم كذلك، فهو يعيش وهم النجومية من خلال عملية التماهي مع المرشح الذي يتحمس له بالتصويت، تماما كما يعيش من خلال الاندماج في المشاهدة حالة خيالية من متعة التعبير عن الذات، دون أن ننسى ذلك الإحساس الذي ينتابه حينما يضع نفسه في وضعية صانع النجم من خلال التصويت، فيكون له ذلك تعويضا عن الهامشية و الكيان المهدور.[4]


لقد أدرك القيمون على برامج التسلية هذه فحوى ما ذهب إليه المرحوم الجابري بقوله: "لم يعد إخضاع الأبدان شرطا في إخضاع النفوس، بل العكس، لقد غدا إخضاع النفوس طريقا لإخضاع الأبدان"[5]، كما أدركوا ما هي عليه سيكولوجية المشاهد من الهشاشة، بفعل ما فعلته به صروف الدهر، صروف واقع لا يطيق تحمله، كونه لا يرقى إلى طموحاته و أحلامه، فعملت على تعويض هذا الواقع المرير بواقع افتراضي يحقق له بعضا من طموحاته، و لو استيهاميا، و يجعل منه ذاتا يعتد بها بعدما كانت ذاتا مهدورة. لكن ما يغفله هذا المشاهد هو أن الخيال الذي تقترحه برامج التسلية هذه، هو في نفس الوقت مفروض و نمطي، فالمتفرج لا يملك حرية خلق صوره الخاصة، بل يجد نفسه و قد اجتاحته الصور التي تقدم له و التي ستبقى مترسخة في ذهنه، صانعة بذلك خيالا جديدا، لا دخل له فيه، سيشكل منذئذ مرجعا جديدا لعلاقاته مع الغير و مع العالم، بل و صانعة له دولة من نوع جديد، هي دولة الزر، الذي يستطيع أن يتحكم و يتسلل إليه على صورة جسد أو روح، ليضغط على نفسيته، و يجعله منهزما و مصدقا لما يراه، ذلك أن الصورة و ليست الكلمة هي التي تصنع أسطورة العصر الحديث[6].


هذا هو العالم الذي شكل الحدث في فترة ما بعد الحداثة، إنه الحدث الذي يشتغل به و فيه النسق الإعلامي، و الذي كثف الواقع بالرموز، ما ساهم في طلاق الرمز و المعنى و إحلال الصور و النسخ في كل مكان. و الصورة كما لا يخفى تعتبر من أكثر التقنيات نجاعة و تأثيرا، إذ منذ اختراعها كوسيلة للتعبير، أصبحنا أمام "لغة من نوع جديد و خطاب حديث له صفة المفاجئة و المباغتة و التلقائية مع السرعة الشديدة و مع قوة المؤثرات المصاحبة و حدية الإرسال و قربه الشديد حتى لكأنك في الحدث المصور من دون حواجز."[7]


و بالفعل يحس الشباب الذين أدمنوا مشاهدة هذه البرامج بنوع من الألفة و الحميمية تربطهم بأبطالهم و نجومهم، تصل حد التماهي معهم، ما يعطيهم الانطباع بتكسر الحواجز التي تفصلهم عن المشاهَد، و لذلك لا يحس الشاب من هؤلاء عند وصول موعد البرنامج بأنه مشاهد عادي سيأخذ لنفسه موضعا أمام جهاز التلفاز من أجل مشاهدة البرنامج، شأنه في ذلك شأن بقية المشاهدين، بل ينتابه انطباع من وُضع البرنامج خصيصا له، حتى أنه يلغي كل المواعيد المتزامنة مع موعد البرنامج مهما كانت أهميتها، بل الأدهى من ذلك أنه لا يبارح مكانه حتى لو امتد عمر البرنامج إلى وقت متأخر من الليل. و ما يضيره ما ينتظره غدا، و هو الآن في كامل نشوته و استمتاعه و بصدد صناعة نجوميته الخاصة؟


لا ينبغي أن يفهم من هذا الخطاب، أننا ضد استمتاع الشباب و اقتناصه للحظات الانتشاء و المتعة، و ما الشباب بالتعريف سوى الحيوية و الحماس و الاندفاع و المغامرة و طلب الحياة، غير أن مرادنا كان التحذير من مغبة الانجراف وراء البرامج التي تريد للاستمتاع أن يكون هوية للشباب العربي، فينأى بنفسه، أو بالأحرى يراد له أن ينأى عن الواقع الحقيقي و الاستعاضة عنه بالحلم و تعطيل الجهد و العمل و المثابرة، و التفرغ بالمقابل للهو الذي لا يفتر و لا ينتهي في نوع من الاستبلاد، إذ مهما زعمت هذه البرامج و ادعت تنوير عقول الأفراد و شحذ أذهانهم فهي تهدف، ربما إضافة إلى ذلك، استبلادهم من خلال عدم منحهم فرصة التفكير النقدي فيما تنفثه في وجوههم من برامج و صور.


[1]   مفكر استراتيجي ومستشار للأمن القومي عمل لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977و1981 وهو يعمل حاليًا مستشارًا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وأستاذًا بمادة السياسة الخارجية الأميركية في كلية بول نيتز للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز في واشنطن.  من مؤلفاته "خارج السيطرة"،"الفشل الكبير"،"خطة اللعبة"،"القوة والمبدأ".
[2] مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، المركز الثقافي العربي،ط 2 ، ص 237.
[3] مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، المركز الثقافي العربي،ط 2 ، ص 236.
[4] نفسه، ص 237.
[5] محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية في الوطن العربي، سلسلة الثقافة القومية (25)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3، 2006، ص. 190.
[6] سعاد عالمي، مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري، أفريقيا الشرق، 2004، ص 77.
[7] عبد الله الغدامي، الثقافة التلفزيونية، سقوط النخبة و بروز الشعبي، المركز الثقافي العربي، البيضاء، 2004. ص 24.

أطروحة عبد الله حمودي ومنتقدوها ـ عبد الفتاح أيت ادرى

تعتبر أطروحة عبد الله حمودي المتضمنة في كتابه الشيخ والمريد، من أهم الأطروحات التي درست النظام السياسي المغربي، والتي أثارت نقاشات بين الباحثين سواء المغاربة أو الأجانب . فما هي أهم مضامين هذه الأطروحة ؟ وما هي أبرز النقاشات التي أثيرت حولها؟

إن أطروحة عبد الله حمودي تنطلق من فرضية أساسية مفادها تسرب خطاطة ثقافية من مجال الصوفية والولاية إلى المجال السياسي، هذه الخطاطة التي استندت عليها علاقات السلطة واستمدت منها ديناميتها هي في نظره علاقة الشيخ بالمريد [1]. وهدفه من خلال هذه الأطروحة تفسير أسباب استمرار النظام المغربي بعد الاستقلال بعيد عن العوامل الاقتصادية التي تبدو له غير كافية لوحدها .

اقتصر حمودي على ذكر سيرة رجل واحد، تلك التي جاء بها المختار السوسي عن أبيه الشيخ علي الدرقاوي، أحد شيوخ الزاوية الدرقاوية ، هذه الزاوية التي هيمنت على السجال الديني والسياسي خلال القرن التاسع عشر ، وتميزت بدفاعها المستمر ضد الاستعمار [2].

فحسب هذه الترجمة ( سيرة علي الدرقاوي )، تبدأ مرحلة الزهد في البداية بالتخلي عن كل مظاهر الحياة المادية، حتى يصير المريد زاهدا ثم وليا. ولحصول ذلك لابد له من المرور بمرحلة المجاهدة النفسية والتربوية. وتنقسم مرحلة التربية بواسطة الشيخ إلى مرحلتين:

ـ مرحلة التأهيل: تبدأ بقطع الصلة بالوالدين، ويترجم ذلك عمليا بالتخلي عن كل القيم الدنيوية[3].

ـ مرحلة التلقين: إذا كانت مرحلة التأهيل بمثابة عملية نفي للفضاءات والأمكنة والأزمنة الدنيوية فإن مرحلة التلقين يتم عبرها تخريب كل قوى النفس والشهوات الغرائزية؛ فتسهل السيطرة والتحكم في الذات، ويجب على المريد في هذه المرحلة خدمة شيخه تبعا لمجموعة من القواعد تعتبر مفتاح النجاح والإشراقة [4]، حيث يلتزمون بمجموعة من الأمور في حضرة الشيخ كالإطراق والصمت ، ويقومون بكل الأعمال المنزلية التي تمس ذكورتهم من قبيل غسل ملابس الشيخ وإعداد فراش نومه والطبخ له [5] .

إن المرور من مرحلة التأهيل إلى مرحلة التلقين بمثابة محطة أساسية في أدبيات الزوايا. فعبر هذا المرور يسلم المريد إرادته لشيخه لكي يرث سره. وهكذا يرث المريد سر شيخه، فيبدأ في إعادة تكرار نموذج هذا الشيخ: سلوكه، سلطته..المهم أنه شيخ جديد يعيد نفس الدور القديم. وهكذا تعمل ثنائية الشيخ والمريد على تكريس السلطوية، والحفاظ على نسقها عبر عملية إعادة إنتاج نفس الدور، إنه نوع من الهابيتوس حسب تعبير بورديو يجعل المريد يقبل كل ما يطلب منه بأريحية صدر وصبر كبير .

بعد صدور الكتاب تصدى له كثير من الباحثين بالنقد لكن حمودي رد فقط على بعضهم ، وناء بنفسه عن الرد عن الآخرين لأن انتقاداتهم انتقادات سطحية لا تستحق الرد ، وإن كان في حقيقة الأمر قد رد عليهم بطريقة غير مباشرة ، ما يهمنا هنا بالخصوص هو رده على ثلاثة باحثين هم : الجيلالي العدناني، آلان ماهي، نور الدين الزاهي. فما هي انتقادات هؤلاء لأطروحة حمودي ؟

في معرض رده على حمودي يوضح الأستاذ العدناني الاختلاف في نوع المقاربة التي ينوي نهجها فهو لن يدرس خضوع الشيخ للمريد، بل خضوع الولي وقبيلته للقبائل المجاورة ، وكيف أن البنيات الاجتماعية تؤثر على تكون الكاريزما [6] ، ذلك أن القبيلة التي ينتمي لها الإلغي هي قبيلة مرابطية ظلت خاضعة، إلى حدود سنة 1933، إلى وصاية وحماية القبائل المحاربة، وخاصة قبيلتي مجاط وآيت حربيل، وهو ما جعل أعداء الإلغي ينعتونه باليهودي و المرأة اللذان يحتلان موقعا دونيا في الثقافة الشعبية، لكون اليهودي لا يملك الأرض وهو نعث أطلق على علي بن أحمد الإلغي عندما خرج من القرية، أما نعت المرأة فيدل على الموقف المسالم للشيخ وليس لتلك المكانة الدونية للشيخ حسب النظرية الانقسامية ، إن العدناني يريد أن يدرس المفارقة العجيبة التي تتلخص في كون قبيلة نافذة على المستوى الروحي تكون خاضعة اجتماعيا [7] ، وفي سبيل ذلك رد على مجموعة من " الأخطاء " التي وقع فيها حمودي حسب رأيه فهو لا يتفق مع السلطة المقدسة للولي كما صبغها عليه حمودي، وذلك لكون هذه السلطة لا تحترم دائما من طرف المريدين المباشرين، ولا حتى من بعض الأشخاص داخل محيط الولي، حيث أن هناك دائما أخد ورد بين زعماء القبيلة و الأولياء، فالزعماء القبليون يحاولون حصر وظيفة الولي في ما هو روحي ، في حين يعمل الولي على استقطاب الزعماء السياسيين وإقناعهم بالقيم المرابطية التي يحملها [8]، أي كانت هناك علاقات قوة حاضرة دائما بحيث أن الولي لم تكن له تلك الهيبة الكبيرة التي نظر لها حمودي، فسلطة الولي كانت دائما تحث سلطة رؤساء القبائل والزعماء السياسيين المفروضة عليه [9].

أما آلان ماهي فقد أخد على حمودي ثلاثة أمور : إعطاء صورة سلبية عن المرأة ، عدم تطوير أطروحة مارسيل موص حول العطاء و الأخذ ، وعدم الاعتماد على نظرية الحكم عند ماكس فيبر [10].

من جهته أيضا حاول نور الدين الزاهي مسآلة حمودي من خلال الربط بين كتابيه الشيخ والمريد و الأضحية وأقنعتها، ويرى أن خطاطة الشيخ والمريد تنبني على نواتين الأولى تخلي المريد عن رجولته والثانية تتمثل في الهبة داخل المجال السياسي، النواة الأولى اختبرها حمودي حسب رأيه من خلال طقس بولجلود والثانية من خلال شعيرة عيد الأضحى ، إذن فبين بولجلود والعيد مشترك هو الأضحية، فهذه الأخيرة تحضر في طقس بولجلود كي تشخصن في شخصية بولجلود الذي يرتدي جلدها، ويفقد إثرها هويته الذكورية، " إن وضع الأضحية هو المبدأ الذي يدخل في البداية والنهاية الهوية الذكورية والأنثوية في الملتبس . يرجع سبب ذلك إلى كون الأضحية ذاتها تعيش هذا الالتباس لحظة انتقائها واصطفائها كي يكون مبدأ الذكورة مفضلا أو إجباريا ( العيد الأكبر نموذجا ) ، لكن ما يلبث هذا المبدأ يفقد هويته حين تهييئها لفعل النحر. إنها تتزين بالحناء والملح وتدخل عالم الحريم الذي يتكلف بذلك وكان الأمر يتعلق بعروس ( ذكر / أنثى ) ليلة دخلتها ( نحرها ) [11] ، إن المريد يشغل حسب الزاهي وضعية أضحوية، مثله في ذلك مثل الخدم داخل المجال السياسي، ولأن المسافة بين المضحي بالذات والمضحي بالغير أو باسمه ليست قارة وثابتة ، فإن مؤسسة المضحي والتي تجد تشريعها الثقافي والرمزي في المتخيل الديني باستحضار قصة النبي إبراهيم مع ابنه إسماعيل ، هي ما يحتاج إلى إظهار أكبر عدد من الإشارات والملامسات العابرة [12]، إن حمودي حسب الزاهي يعتبر الأضحية والتضحية قتل وإماتة للضحية وبيس تزكية ونحرا طقوسيا، عكس ما ذهب إليه دوركايم وجورج باطاي، بل إنه يفسر من خلالها كل أشكال العنف داخل المجتمعات "العربية الإسلامية" [13]، وآخد الزاهي على حمودي تلك الأوصاف التي أطلقها في كتابه الآخر حول رحلته إلى مكة حيث وصف تسابق الحجاج لرجم الشيطان بالتسابق الوحشي، كما شبه حجز حيوانات الأضحية بمخيمات الحجز والاعتقال، مما يجعل السؤال حول قدرة الأنثربولوجي أن يكون أنثربولوجي قبيلته محط تساؤل ؟[14].

على العموم هذه هي أهم انتقادات هؤلاء الباحثين لأطروحة حمودي، هذا الأخير سيرد على كل واحد على حدا مستشهدا بأقوالهم ومنتقدا لها في نفس الوقت .

فبالنسبة للرد على العدناني فأول انتقاد وجهه عبد الله حمودي للجيلالي العدناني يتمثل في كون هذا الأخير يقدم نقدا يدل عن سوء الفهم و التفاهم، سببه هو عدم التمكن من المنهجية الانثروبولوجية و كذا مفاهيمها، بالإضافة إلى رصيدها المعرفي الخاص بالمجتمع المغربي و العربي [15]، فحمودي يقر بدور البنيات الاجتماعية في تكون الكاريزما، لكن هذا الأمر ليس بجديد، وأما ما جاء به بخصوص وصف أعداء الإليغي له باليهودي والمرأة لكونه لايحمل السلاح، فيظهر أن العدناني ربما لم يسبق له أن قرأ ما كتبه كَلنر لذا حمله ما يلم يقله، وفي ما يخص حماية القبيلة للولي، فيجب التمييز بين ضعف القبيلة من جهة، وضعف الولي، من جهة أخرى، لأن الولي المعترف به – في مرحلة ما – هو نفسه يكون قبل ذلك اعتنق طريقة وترك السلاح والحياة العادية للسواد الأعظم في القبيلة وخضع للتربية ونجح في ذلك قبل الاعتراف به من طرف السلطة الدنيوية [16].

إن خضوع الولي و قبيلته إذا كان صحيحا فانه لا ينفي حسب حمودي مسلسل تربية المريد وخضوعه إبان تلك التربية، لسبب واضح هو أن خضوع القبيلة لا يفسر ولوج طريق التصوف وخضوع المريد خلال مرحلة التربية. وقد لا ينفي شيئا آخر، وهو أن أغلبية أبناء القبيلة الخاضعة لم تلج طريق الولاية [17] .

أما بخصوص انتقادات آلان ماهي فحمودي يقر بالملاحظة الأول المتعلقة بموقع المرأة، أما الملاحظة المتعلقة بنظرية الأخذ والعطاء فهو يتفق مع موص في اعتبار العطاء يحد من العنف، لكن نظرية حمودي تدور حول السلطوية وليس حول العطاء والأخذ، أما بخصوص الملاحظة الثالثة فهي ملاحظة تنم عن خطأ منهجي حيث يقترح كتابا حول نظرية الحكم عند ماكس فيبر ، في حين أن الأطروحة الحمودية تبتعد عن البتريمونيالية الفيبرية ، ففيبر ليس بمرجع في ما يخص المجتمعات الاسلامية ، وحتى المقاربة النفسية التي يقترحها آلان ماهي ليس لديها ما تضيف بهذا الشأن لأن علاقة الشيخ بالمريد ليست كعلاقة الأب بالإبن الموجودة في علم النفس [18] .

أما بخصوص انتقادات الزاهي فحمودي يعترف بكون قرأته تميزت بتلخيصات واضحة ومنتظمة استوعبت الخطوط العريضة للمشروع، لكنه وقع في بعض الأخطاء مثل كتابته لبولجلود و الأضحية على عكس ما ينطقها الناس ( بوجلود ، الضحية ) وهذا له أهميته في حقل الأنتربولوجيا [19]، كما لم يستعب أولية الأضحية وطقوسها، فبلماون يقام بعد العيد، ويربط به، وبعاشوراء خلال الأربعينية المحدودة في كل حول لإقامة تلك الشعائر والاحتفاليات [20].

أما ما قاله الزاهي بخصوص اعتماد حمودي على الأضحية لتفسير العنف في المجتمعات "العربية الإسلامية" فهو مجرد اختراع محض يدوس الأعراف و الأخلاق العلمية حسب حمودي، وهذا راجع إلى تأثر الزاهب بروني جيرار الذي يتحامل كثيرا على الإسلام ويعتبره ديانة مؤسسة على العنف على عكس المسيحية [21]، واعتباره وضعية الشيخ والمريد لها علاقة بالقصة الابراهيمية، فذا خطأ لأن إسماعيل ليس بمريد ولم يسبق له أن أونت رمزيا على غرار ما يقع للمريد، وابراهيم ليس بشيخ فلا تربية على النبوة [22]، إن العلاقة هنا علاقة من نوع آخر .

على سبيل الختم :

إن الحوار الأساسي حول الكتاب كان بين التاريخ والأنتربولوجيا ، لذا لم يكن مستغربا ذلك النقاش الحاد بين حمودي والعدناني، وذلك راجع لاختلاف منطق اشتغال كل واحد منهما، فالمؤرخ يعتمد على التحقيب، والسند التاريخي، والتعامل مع الوثيقة، والواقعة التاريخية حسب المؤرخ واقعة متفردة في زمان ومكان معينين، موردا في ذلك تفاصيل دقيقة للأحداث، ولا يقترح نماذج تفسيرية إلا في بعض الحالات، في حين أن الأنتربولوجي يعتمد على الميدان ومن بعد يدخل إلى معركة التفسير بواسطة نموذج نظري، هذا النموذج يستلزم نوعا من التعميم ، والمقارنة بين الحالات رغم أنها قد تكون متباعدة في الزمان والمكان، والتفاصيل عند الأنتربولوجي لا تمس الإطار النظري خاصة إذا كان التفصيل صغيرا ومنحصرا في الزمان والمكان على غرار التفاصيل التي جاء بها العدناني فيما يخص الإلغي. وعلى كل حال يبقى الحوار بين التاريخ والأنتربولوجيا حوارا ملحا شريطة فهم كل واحد لمنطق اشتغال الآخر .

[1] عبد الله حمودي ، الشيخ والمريد النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة ، ترجمة عبد المجيد جحفة ، دار طوبقال للنشر ، ط 4 ، 2004 ، ص 27 .

[2] حمودي ، م ن ، ص 114

[3] م ن ، ص 118

[4] م ن ، ص 121

[5] م ن ، ص 125

[6] Jillali El Adnani , les saints a l’éprouve du pouvoir : histoire d’une sainteté et anthropologie d’une culture , hesperis-tamuda , vol . XLIII, 2008 , p 62.

[7] Ibid.p 66

[8]Ibid. p 89

[9] Jillali El Adnani , op cit , p 94

[10] Alain mahé , Abdellah Hammoudi , master and disciple . the cultural foundations of Moroccan authoritarianism , in : l’Homme , 1999 , tome 39 , n 149 , pp 245-246.

[11] نور الدين الزاهي ، في الأسس الثقافية للسلطة ، مجلة المغربية ، العدد التاسع عشر مارس 2002 ، ص 29

[12] نور الدين الزاهي ، م ن ، ص 30 .

[13] نور الدين الزاهي ، المدخل إلى علم الاجتماع المغربي ، دفاتر وجهة نظر (20) ، ط1 ، 2011 ، ص 104 .

[14] نفسه ، المدخل ، ص 105 .

[15] عبد الله حمودي ، الشيخ والمريد ، ص 270

[16] نفسه ، ص 274

[17] نفسه ، ص 277 .

[18] حمودي، الشيخ والمريد ، ص ص 281 282 .

[19] نفسه ، ص 288 .

[20] نفسه ، ص 289.

[21] نفسه ، ص 293 .

[22] نفسه ، ص 294 .

المفاهيم الأساسية لمقاربة الفضاء المديني والتغير الاجتماعي ـ د. شهاب اليحياوي

ـ مفهوم الفضاء الاجتماعي :

    دعنا نتّفق أوّلا ، قبل استدعاء مختلف مقاربات الفضاء، على شبه غياب أو تغييب عديد حقول البحث العلمي لمفهوم الفضاء لا فحسب ضمن علم الاجتماع بل أيضا لدى غالبية علماء الاقتصاد مثلما علماء النفس. يبدو الاهتمام بالفضاء غائبا أو ن سجّل حضوره فلا يتعدّى العرضي والهامشي ؟ ذلك أنّنا لم نجد تخصيصا لمجال تعريفيّ لمفهوم الفضاء والفضاء الاجتماعي ضمن عدد هائل ن البحوث الاجتماعية والحضرية بالخصوص نظرا للعلاقة الترابطية بين إثارة المديني واستدعاء مفهوم الفضاء وحتّى وإن وردت في البعض منها فإشارة لا تعمّقا [1]. وهي ذات الملاحظة التي وقف عليها كلّ من  بيار مرلان و فرنسواز كواي في معجمهما [2] .

أ ـ الفضاء الرياضي:

     تمثّل مقولة الفضاء محور اهتمام الرياضيات وعلمائها الذين يعتبرونها ميدانهم الخاصّ. ويعني الفضاء في مدلوله الرياضي ذلك " الوسط الفارغ " [3] أو هو" ما لا تستطيع تحديده أي ما هو مرادف للاّنهائي " [4].

        تميّز وتصيغ الرياضيات تصنيفات دقيقة لفضاءاتها غير القابلة للحصر من الناحية العدديّة : مجرّدة ، لا إقليديّة ، ذات تقوّسات ، ذات أبعاد محدّدة ، غير محدودة الأبعاد . لكن من وجهة نظر لوفافر توجد مسافة فاصلة تتّجه نحو الاتساع بين لغة الرياضيات والواقع الماديّ والاجتماعيّ تتعمّق معها إشكاليّة غير جديدة على المعرفة تتمثّل في كيفية التحوّل من الفضاء بالمعنى الرياضي أي من القدرات الذهنيّة (المنطق) إلى الطبيعة ، في مرحلة أولى ثم الانتقال إلى الممارسة وإلى الحياة الاجتماعية التي هي ذاتها تكون داخل فضاء يستدعي فهمه معرفة بالفضاء تصنع القطيعة مع ما يسميّه لوفافر[5] بالخطاب حول الفضاء  ويقصد به الدراسات الوصفية للفضاء التي لا ترتقي إلى المستوى التحليليّ وبدرجة أقلّ النظري أو تلك البحوث التجزيئيّة والتقسيميّة للفضاء .


ب ـ سيميائيّة الفضاء :

    ينكشف الفضاء في مدلوله السيميائي كمنظومة علامات يقتضي فهمها لدى أوستكوفتسكي استدعاء مقولة الاستعمال أو الاستخدام الذي يقيمه الفاعل للفضاء الذي يحتلّه ويشغله . فمعنى الفضاء وهذا هو المهمّ يستدلّ عليه لدى فايري أيضا عبر ومن زاوية الممارسة الاجتماعية للفضاء  لذلك فهو يدعو إلى مقاربة وتعقّل الفضاء المديني ضمن سيميائيّة متمفصلة في منظومة دلالة .

       فالفضاء "لا يعني البحث إذا لم يكن دالاّ من زاوية ممارسة اجتماعية وإن لم يكن دالاّ لشخص ما"[6]  . ولعلّ وجهة النظر المعيّنة التي يحب أن يتّجه التحليل السيميائي للفضاء إليها تلك التي يتحدّث عنها تابوراي كأمكنة مجرّدة أين يمكن لسيميائي أن يصف الأشياء الحقيقيّة لكن في علاقاتها ببعضها. هذه العلاقات وبالمثل دلالة الفضاء السيميائي هما معطيين للتحليل من زاوية الممارسات داخل الفضاءات أو الأمكنة . فلفضاء "ما هنالك ممارسة اجتماعية "[7].

    يقارب تابوراي الفضاء كمجال لسيناريوهات عديدة ولربط الصلة بينها أو بين عديد الأشياء . فهو يتناول مثلا موضوع المعمار لا على مستوى الفضاء الخاصّ أي المنزل نفسه بل على صعيد الحيّ أي أنّه يموضع هذا الشكل ضمن حقل مقارنة مع مثيلاتها أو الأشكال المغايرة أو المختلفة عنه من ناحية ويتناوله من ناحية أخرى خارج النموذج اللّغوي الوفيّ لألسنيّة دي سوسير ضمن العلاقة الضرورية بالتواصل الحاصل بين محتلّي الفضاء المديني أو "خلق فضاءات للتواصل"[8] .

      يدفع ديلا هاوس التحليل أبعد ليقارب دلالة الفضاء التي تحتكم عليها وتحتكم إليها الذات المجتمعية بعبارتنا أو مستعمل الفضاء بعبارته عبر تأكيده على مفهوم'' الصلة الاجتماعية '' . الاّ انّ تعقّل هذه الصلة يتمّ في منظوره وجوبا في إطار خاصّ ألى وهو إطار التفاعل والتواصل أو التبادل الاجتماعي [9] للدلالات بين شاغلي الفضاء موضوع التحليل. فكل شيء يتكيّف مع تصرّفنا فيه: مع توظيفنا أي استعمالنا له الذي يضفي عليه دلالته. فالفضاء أيّ فضاء لا يحتمل اعتباره مشهدا وبالمثل لغة ولا يشتغل كنظام أو مدوّنة رمزية يستدعي تأويله استيعاب هذه الشفرة . وهو ما يخرج ، في نظرنا ، سيميائية الفضاء من سجنها السيسوري الألسني الذي تنخرط فيه معظم المقاربات السيميائية لموضوع الفضاء ويضفي عليها بعدا سوسيولوجيّا فهذه المقاربة لا تقصي الفاعل عن موضوع فعله ولا تموقع موضوع الفعل خارج فاعله أي خارج الاستعمال الذي يمثّل، في منظورنا ، وحدة التحليل الأساسية والضرورية لفهم الفضاءات المدينية ومشكلة التغيّر والمقاومة والرفض وكلّ المشكلات المدينية المطروحة على مدن اليوم [10] التي تشهد تداخل أو حضور التقليدي ضمن الحديث والحديث ضمن التقليديّ [11]. ينخرط ضمن هذا التوجّه ودفعا له وفي استدعاء ضروريّ لمقولة الاستعمال التي تعطي لحضور البعد الرمزي للفضاء وبالتالي المخيال والذاكرة الجماعية شرعيّة لا تتأكّد إلاّ مع استدعاء أو موضعة ضروريّة للتحليل ضمن سوسيولوجيا المعيش اليومي.

      لا تتمظهر هذه الممارسة الاجتماعية التي هي مرجع التحليل السيميائي للفضاء لدى ديلاهاوس و تابوراي وغيرهما إلاّ عبر إيديولوجيا معطاة لدى فايري. فالممارسة الاجتماعية بهذا المعنى لا تتمظهر إلاّ عبر منظومة تمثّل أي منظومة معنى. من هذا المنطلق تصبح وجهة التحليل السيميائي لدراسة الفضاء لا عبر هذه الممارسات التي تتمّ داخل الفضاء بل أساسا عبر التمثّلات والمعاش الفضائي. معنى ذلك أنّ دلالة علامات الفضاء لا تتأتّى في منظوره من استعمال الفاعلين الاجتماعيين للفضاءات التي يشغلونها ويتحرّكون ويتصرّفون ضمنها ومعها وعبرها داخل المدينة وبالتالي مع ذواتهم والآخرين غي منظورنا ولا تتأتّى أيضا من المعنى اللّفظي [12] بل هي بالأساس تعبيريّة [13] .

        يطوّر قرايما سيميائية تستدعي علما فرعيّا من علم الرياضيات يعنى بدراسة موقع الشيء الهندسي ، لا بالنظر إلى شكله أو حجمه بل بالنظر إلى الأشياء الأخرى وهي الهندسة اللا كمية أو الطوبولوجيا. ينعكس الفضاء في هذه السيميائية الطوبولوجية كشكل وبالتالي بناء يحيل إلى خلافه أي إلى ما ليس هو ويعرّف بالنظر إلى الامتداد. فمقاربة مكان ما يقتضي في هذا التمشّي موضعته قبالة مكان آخر وبالتالي فإنّ تعري هذا المكان لا يحصل إلاّ بما ليس هو. فألهنا يعرّف بالنظر "للهناك " والمقدّس بالنظر إلى المدنّس والخاصّ بالنظر للعام والداخلي بالنظر للخارجي والأعلى بالنظر للأسفل، إلى غير ذلك من المقابلات التي تميّز جدليّة اليومي لدى لوفافر [14] والازدواجية محور أي مقاربة للحياة اليومية لدى مافيزولي [15] .

       فالفضاء في المفهوم السيميائي الطوبولوجي لا يدلّ على نفسه بل على غيره ، على شيء آخر عداه أي الإنسان الذي يشغله. معنى ذلك أنّ الفضاء كشكل هو لغة يصبح تحيل الباحث إلى ما هو غير فضائي مثل اللّغات الطبيعيّة. من هنا يصبح التحليل هو عمليّة وصف وإنتاج وتأويل لهذه اللّغات الفضائيّة . وتقتضي كلّ دراسة طوبولوجيّة انتقاء قبل أيّ شيء نقطة الملاحظة . وتعتمد هذه الخطوة على عمليّة تمييز أو تفريق ضروريّة بين بعدين : مجال التعبير ومجال المعبّر عنه أي بعبارة أوضح بين دالّ ومدلول. وتتمثّل المرحلة الموالية في التحديد الدقيق لنماذج أو كيفيات توافق هذين البعدين . على أنّ اللّغة الفضائيّة تعني لدى قرايما أو التحليل السيميائي الطوبولوجي ، أي الفضاء ، لغة يدلّ بها المجتمع عن نفسه لنفسه .

      تقارب ، إذا  السيميائية ، الفضاء كمنظومة علامات في استناد واضح إلى مقولة الإستعمال أي الاستخدام الذي يقيمه الفاعلين لفضاءاتهم كما لدى أوستكوفتسكي، أو في علاقة بمقولة التواصل بين شاغلي الفضاء المديني لدى تابوراي. وتتناول السيميائية أيضا دلالة الفضاء من زاوية الممارسة الاجتماعية كما في علاقة بالصلة الاجتماعية ضمن إطار التفاعل والتواصل أو التبادل الاجتماعي كما في إتّجاه ديلا هاوس. يتناول التحليل أيضا الفضاء عبر منظومة تمثّلات أي منى حسب فايري الذي يعتبر دلالة الفضاء لا تتأتّى من الإستعمال بل من قوتّه التعبيريّة  معنى ذلك أنّ التحليل السيميائي يدفع نحو الاتّجاه أساسا إلى التمثّلات والمعاني . إلاّ أنّ ما لم نفهمه في النظرية الفايرية حول الفضاء هو كيفية ربطه دلالة الفضاء، من ناحية بالممارسة الاجتماعية للفضاء . واعتبار أنّ هذه الأخيرة تتمظهر عبر منظومة تمثّل أي منظومة معنى ورفضه فهم الفضاء عبر الإستعمال من ناحية أخرى. يبدو هذا غريبا إلاّ إذا كان فايري يقصد بالاستعمال لا استعمال الفاعلين للفضاء الذي يحتلّونه والذي عبره يقرأ الفضاء. فعبر هذا الإستعمال يتحدّد وينكشف معنى الفضاء وتمثّل الفاعل له . فالتمثّل والاستعمال لا يتموقعان في اتّجاهين لا يمكن لهما الالتقاء بل يتلازمان ويحيلان إلى بعضهما اعتبارا لأنّ الممارسة الفضائية هي جانب من الجوانب التي تشكّل تمثّل الفاعل لفضائه الذي يتعاطاه بعقله ووجدانه وواقعيته وأحلامه وخياله وبذاكرته الجماعية التي تشدّه عبر الفضاء للجماعة وتدلّه عليها عبر الفضاء الجماعي . ونقصد بالفضاء الجماعي لا المشترك بالتحيّز بل بالتصوّر والممارسة والاستعمال .

  2 ـ تمثّلات الفضاء :

      استطاع جون بايلهوس في دراسته لسلوك سائق سيارة الأجرة داخل الفضاء المديني وتمثّله للفضاء الذي يتحرّك ضمنه أي فضاء عمله ، استخلاص وجود وسيط بين الإنسان والأشياء التي يتصرّف تجاهها وهو الرمز. معنى ذلك أنّ تعقّل سلوك الفرد يقتضي حضور مقولة التمثّل في التحليل السوسيولوجي . فتمثّل سائق سيارة الأجرة للفضاء المديني متأتي في ذات الوقت من التجربة الفضائية الشخصية التي هي نتاج الممارسة المهنية ومن خريطة المدينة أي معرفة معطاة أو مملاة. إلاّ أنّ سائق سيارة الأجرة يتراوح فعله بين المملى والشخصي [16]. ويؤثّر ذلك على تمثّله للفضاء وبالتالي تعاطيه له . فاستعمال الفضاء إذا " هو الذي يعطي مدلولا له " [17] . وتتشكّل صورة الفضاء التي منها يتقرّر السلوك الفضائي للمدينيين ،عبر التجربة أي عبر الممارسات الاجتماعية والاستعمال اليومي للفضاء المديني لدى كابال أيضا [18]. تمتلك هذه الصورة حال تشكّلها ، لدى كابال ، نوعا من الاستقلالية عن التغيّر الذي يحصل في الفضاء الحضري . فتغيّر صورة الفضاء لا يخضع، إذا، لآليّة تحديديّة تجعل التغيّر الحاصل ضمنها نتيجة تباعيّة وآليّة لتغيّر الفضاء المديني .فهو، في الواقع، يخضع لعوامل أخرى وبالتالي استدعاء أبعاد عديدة لتعقّل طبيعة العلاقة بين الفضاء وتمثّله.

    يرتبط تشكّل صورة الفضاء لدى الفرد بما يسميّه هورنون و رينولد بفضاء النشاط أي بالمعرفة المباشرة والشخصية في ارتباط بأنشطته اليومية . من هنا تتغاير صورة أو تمثّل الأفراد والجماعات للفضاء المديني الواحد . من هنا ، أيضا ، تتّضح أهميّة توجيهنا ضمن الاستجواب لسؤال حول الأماكن والفضاءات التي يقصدها المستجوب يوميّا. فحصر مجال تحرّكه هو حصر لحدود خارطته الذهنيّة أو جغرافيته الذاتية للمدينة بعبارة كابال أي رؤيته الشخصية للفضاء الذي يحيط به، هذه الجغرافية التي لا تتوافق مع الوسط الجغرافي الفعلي دائما . ف بروكوب ، مثلا ، يعتبر في هذا السياق أنّ الفضاء" يتّجه إلى وضع حدّ له أين تنتهي التفاعلات الاجتماعية لفرد أو جماعة" [19] .

    إذا واستنادا لبالهوس و زنّاد و كابال و بروكوب،فإنّ  فضاء الفرد هو فضاء الإستعمال وفضاء التفاعل وهو فضاء داخل الفضاء . ولا يمكن تناوله إلاّ عبر قراءة في جغرافية تفاعلات فرد أو جماعة واستعمال فرد أو جماعة للفضاء المحتلّ أي بعبارة أدقّ تمثّل الفضاء الذي يستند إلى لعبة استعمال الفضاء" لعبة حيازة واستعمال الفضاء" [20]. يعتبر، لوفافر من ناحيته أنّ الممارسة الفضائية لمجتمع ما تفرز فضائه. فهي "تطرحه وتقترحه في تفاعل جدليّ: تنتجه ببطيء وثبات في الوقت الذي تسيطر عليه وتتملّكه"[21]. ويتطلّب فهم الممارسة الفضائيّة لمجتمع ما فكّ رموز فضائه / فضاء التمثّل أي المعاش عبر الصور والرموز. هذا الفضاء لديه "يقنّع الفضاء الماديّ بإستعمال أشيائه رمزيّا " [22] .  

          يتماثل ضمن الفضاء المتصوّر أي تمثّل الفضاء"المعاش الفضائي والمدرك بالمتصوّر"[23].ويتناول لوفافر الفضاء الاجتماعي ضمن مثلّث المعاش أي فضاءات التمثّل والفضاء المدرك أي ممارسة الفضاء والمتصوّر أي تمثّل الفضاء مثلما نجد أنّ تناوله للممارسة الفضائية يقاربها في علاقة مباشرة بإنتاج الفضاء. فالناسّ ينتجون حياتهم وتاريخهم ووعيهم بعالمهم عبر وداخل فضائهم الذي هو في فكره مادّة ولكنّه أيضا أداة للتفكير مثلما للفعل ووسيلة للإنتاج والمراقبة وبالتالي الهيمنة والنفوذ. هذا الفضاء هو مندمج وملك لجماعة معيّنة تبعا لمتطلباتها وأيضا " أخلاقيتها وجاليتها أي إيديولوجيتها " [24] .

     خلاصة القول، إذا، أنّ الفضاء واحد لكنّ المتعدّد هو التمثّل وهو التصوّر الفردي أو الجماعي لنفس الفضاء الذي يتحرّك ضمنه لا فحسب ماديّا ولكن بالأساس رمزيّا ّ هذا ما يمثّل نقطة التقاء بين عديد الاتجاهات النظرية والمنهجية المتضاربة والمختلفة. إلاّ أنّ بؤرة الاختلاف هي وحدة البحث في موضوع الفضاء والتناول المنهجي الأمثل له .

3 ـ التغيّر الاجتماعي: العفوي والمخطّط

      يحصل تعريف مصطلح التغيّر في تقابل مع مفهوم الثبات الذي يعرّف على أنّه " صفة ما لا يكفّ عن أن يكون هو نفسه " [25]. ويصعد الأصل اللاتيني للكلمة إلى فعل التوقّف، إلاّ أنّ الدلالة المعطاة قبل ذلك وخلال القرنين الثاني والثالث عشر تفضي إلى معنى: ما يدوم باستمرار وبدون انقطاع وبدون تغيّر. وقد عرف المفهوم اتّساعا خلال القرن السابع عشر ليشمل إضافة الصفة الكمّية " التي تحتفظ بنفس القيمة " [26] . يرادف الثبات ، إذا ، الديمومة التي هي كما لدى بوحديبة " مقاومة للتلف"  الذي مصدره التبدّل وبالتالي فالثابت يعرّف بالنظر للمتغيّر والمتغاير واللاإستقرار .

      يمكن مقاربة مفهوميّ الثبات والتغيّر لدى بروني، في نفس الوقت كصفة وككميّة. ويقترن المفهومين ككميّة بقيمة ومقياس الثوابت , ويستندان كصفة إلى جملة من الأوصاف والخصائص والمميّزات. ويرتبط مفهومي الثبات والتغيّر أيضا ونتاجا بمفهوميّ القياس والحالة . فالحالة التي هي صفة لما هو عليه شيء أم معطى ما ، تتحدّد عبر عدد من القياسات ومن الملاحظات حول عدد أدنى من الخصائص المقترنة بالشيء . فإذا تمّ بعد كلّ القياسات والملاحظات والانتباه إلى ذات القيم لهذه الخصائص فذلك يقودنا إلى استنتاج أنّنا أمام حالة ثبات على عكس الحالات المغايرة التي تحيلنا إلى التغيّر. 

       إذا، ودائما مع بروني، فتعقّل كلّ من الثبات والتغيّر يقتضي من التحليل استدعاء أربعة تعارضات أو تقابلات: الاستمرارية / التقطّع ، التجانس / اللا تجانس ، التماثل/ التباين ،الإسقرار/ واللاإستقرار .فالثبات يقرن دائما بالاستقرار والاستمرارية وكونه حالة تجانس في مقابل إلحاق واللاإستقرار واللا تجانس والقطيعة بمفهوم التغيّر وبالتالي صنع القطيعة النظرية والفعلية بين الديمومة والتغيّر . معنى ذلك أنّ هذا المنحى النظري في مفهمة الديمومة والتغيّر يقرّ بأنّ الحالة التي تصنع القطيعة التّامة مع البنى القديمة وأشكالها التعبيرية لا تتّخذ صفة التغيّر . لكن يغيب عن هذا الاتجاه أنّ التغيّر لا ينتهي دائما إلى نفي تامّ أو نهائيّ للقديم ، بل أنّ هذا القديم يتواصل بأشكال متعدّدة ومختلفة في ظلّ الحديث أي لا لتغيّر ، لفترة تنتهي إمّا بالاضمحلال نهائيّا بفعل لا فاعلية إواليات المقاومة العائدة له أو الاندماج ضمن هذا الجديد بشكل يضمن له الاستمرارية في الوقت الذي تستمرّ معه مقاومته للتغيّر . هذا الفهم يوجّه وينبّه التحليل إلى الجانب اللاشكلي والعفوي وإلى ظواهر الرفض والمقاومة ويحوّل الانتباه إلى تعقّل وفهم الإشكاليات التي تطرح على التغيّر الموجّه أو المخطّط بعبارة بروني . 

       لا بدّ، مثلما نميّز بين الثبات والتغيّر، أن نتبيّن ثنائيّة التغيّر والتطوّر الاجتماعيين والتمييز بينهما.لقد مثّل التطوّر الاجتماعي الموضوع المحبّذ للسوسيولوجيا الكلاسيكيّة : سوسيولوجيا سبنسر و كونت و دوركايم وماركس و فيبر. أمّا التغيّر الاجتماعي فقد شكّلت ظواهره الموضوعات التي تتّجه السوسيولوجيا المعاصرة أساسا لدراستها ومقاربتها عبر مناهج وتموقعات براديغميّة متباينة ومتعدّدة . التطوّر الاجتماعي هو"جملة تحوّلات يعرفها مجتمع خلال حقبة طويلة " [27] تمتدّ على أكثر من جيل، أمّا التحوّل الحاصل على مستوى التغيّر الاجتماعي فهو معطى للملاحظة مثلما للتحليل على مدى أو فترات قصيرة على خلاف التحوّلات في معنى التطوّر الاجتماعي. ثمّ إنّ التغيّر الاجتماعي ، لدى غي روشاي ، يختلف عن التطوّر من حيث كونه مموضع على صعيديّ الجغرافيا والسوسيولوجيا، بمعنى قابليته الأكيدة للملاحظة في زمن أقلّ وفضاء أضيق ممّا هو عليه  بالنسبة للتطوّر الاجتماعي.

       يدعو غي روشاي ،أيضا، إلى ضرورة أن نمفصل بصفة دقيقة بين التغيّر الاجتماعي والفعل التاريخي والسيرورة الاجتماعية. فالفعل التاريخي يستند إلى أعوان التغيّر الذين هم أفراد أو جماعات أو حركات معيّنة ، على أنّ فعل أعوان التغيّر إمّا أن يتّجه إلى مستوى المضمون أي محتوى التغيّر ذاته أو يمسّ من نسقه في اتّجاهي الدفع أو على العكس البحث عن كبحه أي تعطيل تسارع التحوّلات. وقد يتّجه فعل أعوان التغيّر خارج فعل التعديل إلى منع حصول هذه التحوّلات ذاتها سواء كليّا أو في جزء من التنظيم الاجتماعي. يحيل هذا القول إلى الإقرار بأنّ أعوان التغيير يلعبون دورا في مسار التغيّر ونسقه ، إمّا بشكل سلبي أي الرفض والمقاومة للجديد بمنعه أو تعطيل تعمّمه وتجذره في النسق الاجتماعي أو بشكل يوجد دافع ومحفّز للتحوّلات . هذا الفعل ببعديه الإيجابي والرافض هز جزء من الفعل التاريخي الذي هو " تلك الناحية من الفعل الاجتماعي " [28] الذي يتموضع إمّا في ناحية التجديد أو يتعارض معه . فإذا كان الفعل التاريخي هو مظهر للفعل الإجتماعي والمظهر الأكثر سوسيولوجي للتغيّر الاجتماعي،فإنّ السيرورة الاجتماعية تصف أو تحكي هذا التغيّر الاجتماعي . فهي ليست التغيّر يقدر ما هي ذلك التمشّي الذي يحيل الملاحظة إلى  تسلسل الظواهر والأفعال مثلما إلى كيفيات انتظام وتراتب وحدوث الأشياء في الزمن . 

        يحصل تعريف التغيّر ، إذا ، في حضور أكيد لمقولة الاختلاف أو التباين وهو ما نجده في تناولات كلّ من بروني وآشي و بلتيسون. تسمح لنا هذه المقولة بإدراك وتمييز حالتين يفضي إلى تبيّن وملاحظة حصول تغيّر ما. معنى ذلك أنّ التغيّر يتمفصل لدى آشي عبر مفهوم الحالة في مجاليّ الفضاء والزمن في ذات الوقت . يقابل القول بالاختلاف ، لدى غي روشاي، مقولة التحوّل. فالتغيّر لديه تحوّل قابل للملاحظة في الزمن على أن يمسّ بنية أو اشتغال التنظيم الاجتماعي لجماعة معيّنة في الزمن والفضاء. فالتحوّل البنيوي هذا يحدث تأثيرات على مجرى تاريخ هذه الجماعة المعيّنة. يصبح،إذا،ظاهرة اجتماعية إعتبار لضرورة أن يتوجّه إلى ظروف وأنماط حياة جماعة ما . ويفترض في التحوّل في معنى التغيّر لدى غي روشاي أن تتلوه بلورة لهذا التنظيم سواء في مجمله أو في بعض مكوّناته أي تغيير جزئيّ أو شامل ينبغي معه أن يكون هذا التغيّر قابلا للملاحظة ولتعيين ووصف هذه المشكلات الحاصلة في عناصر أو كلّ التنظيم الاجتماعي ، يختلف التغيّر الاجتماعي عن الحدث العرضي . فهو يبرهن عن دوام أي استمرارية في مستوى التحوّلات الملاحظة . تصنع هذه الديمومة الفارق المفاهيمي بين التحوّل بمعنى التطوّر وفي معناه المحيل إلى التغيير مثلما تسمح لهذه التحوّلات بأن تفعل في التنظيم الاجتماعي.

      يطرح تناول موضوع التغيّر الإجتماعي ضمن الفضاء المديني داخل المدينة العربية الإسلامية بالذات ، عدّة إشكاليات تعترض مسألة التنمية الحضرية ضمنها . ولعلّ أهمّ ما يستدعيه موضوع التغيّر الاجتماعي هو الرفض أو المقاومة ضمن المعاش اليومي الفضائي والسلوكي والتواصلي للفاعلين المدينيين سواء كانوا أفرادا أو جماعات . هذه المقاومة لا يجوز أن ينظر لها على كونها مجانيّة أي لا تحيل إلى معنى وإلى دلالة تكشف موقع الفاعلين ومدى مشاركتهم أو انخراطهم أو إقصائهم وتهميشهم من التخطيط للتغيير المديني وبالتالي الاجتماعي .

      تتقنّع هذه المقاومة في أشكال عدّة ويتّخذ الفاعلين ضمنها استراتيجيات فعل متعدّدة ومختلفة من بينها ما يعنينا هنا في هذا المجال المتعلّق بالتغيّر وهو ما يسمّى بالتغيّر العفوي أو بما نسمّيه بالتغيّر الموازي الذي يتواجد ضمن وعبر التغيّر المبرمج والمخطّط والموجّه حتّى وإن كان لا يستجيب بصفة كليّة لشروط التغيّر الأربعة التي ذكرناها آنفا ، استنادا لـ غي روشاي. فالسؤال يجب ، إذا ، أن يتوجّه إلى التمييز المفاهيمي بين التغيّر الموجّه أو المخطّط بعبارة  بروني والعفوي أو الموازي .

أ ـ التغيّر المخطّط أو الموجّه : القصدي والعقلاني .

      يعرّف أحديّ أهمّ منظّري تطوّر التنظيمات والتغيّر المخطّط  وهما تيسياي و تيلياي [29] التغيّر المخطّط على أنّه القابل لإحتواء كلّ محاولة تحضير أو تمدين عقلانيّة لتحوّل النسق الاجتماعي . ويحيل هذا الشكل من التغيّر مباشرة إلى العقلاني الذي يرادف التخطيط مثلما لمفهوم القصديّة . يصبح التغيّر المخطّط ، إذا ، وبهذه المفهمة ، تغيّرا عقلانيّا قصديّا يستجيب لإكراهات أعوان التغيير والجماعات التي يخدم هذا التغيّر مصالحها وأهدافها . وتحيل القصديّة إلى معنى الجبريّة (التحديديّة) المتجسّدة عبر المراقبة ووسائل الإكراه داخل الفضاء المديني منطلق ومسرح وهدف التخطيط بالنظر لبنية السلطة وموازين القوى ضمنه. وقد يكون التغيير المخطّط القصدي والموجّه أيضا نتيجة لا سلطة فاعل ـ جماعة بل نتيجة تفاوض على أنّ هذه النتيجة تكشف عن تساوي ميزان القوى رغم التقاء الأهداف . إلاّ أنّ هذا الشكل من التغيّر المخطّط في نظرنا يقتضي التقاء القوى المثقّفة في مستوى لا فحسب الأهداف والمصالح بل أيضا التمثّلات والتصوّرات أي مناهج ووسائل تجسيد هذه الأهداف والمصالح . لا يعني هذا التغيير تساوي السلطة ضمن هذا العقد المصلحي التفويضي . فالتحالف يقتضي أو يكشف عن تنازلات على صعيد السلطة ووسائل المراقبة وإكراه وعلى صعيد الأهداف ذاتها مثلما على مستوى تعريف المشاكل واستنباط الحلول والاختيار من بينها. فإذا كان الاتفاق على صعيد المصالح والأهداف قائم فإنّه قد لا يتحقّق على مستوى تحديد وتعريف المشاكل. وإذا تمّ في هذا المجال فقد لا يكونه على صعيد اختيار الحلّ مت بين الحلول. [30] فهذا الأخير يخضع إلى بنية السلطة داخل هذا التحالف واستراتيجيات القوّة أو القوى الأكثر تثيرا . يسمّي لادروت هذه القوى داخل الفضاء المديني بالأعوان المدينيين ويصنّفهم إلى : أعوان جماعيين عموميين وأعوان خواصّ . ويعتبر أنّ طبيعة العلاقة بين هؤلاء الأعوان المدينيين فيما بينهم وبين السلط والتجمّعات والمؤسّسات " هو الطريق الذي يجب أن نسلكه إذا أردنا لا فحسب معرفة النظام الجماعي الخاصّ بكليّة حضريّة معيّنة بل أيضا النماذج الجماعية الممكنة للفعل وللنظام" [31]. وتوجد علاقات محدّدة بين بنية الفعل وبنية السلطة وبين هذه الأخيرة والبنية الفضائيّة ثمّ بين بنية المؤسّسات وبنية الفعل . يصبح التغيّر ، بهذا التصوّر اللادروتي، موجّها بطبيعة العلاقة بين هذه البنى وأنّ أيّ تغيّر يجد تفسيره في هذه العلاقة بين الأعوان الجماعيين الحضريين .

       يضع مفهوم التغيّر الاجتماعي المخطّط أو الموجّه التحليل أمام الجانب الشكلي للتنظيم الاجتماعي داخل الفضاء الحضري وللكليّة المدينيّة . ويستدعي أيضا مفاهيم أخرى لعلّ أهمّها:الأعوان أو الفاعلين الاجتماعيين ، الفعل الاجتماعي ، المراقبة والإكراه الاجتماعيين،الرفض والمقاومة واستراتيجيات الفعل والتخطيط التي يصنّفها تيسياي و نورو إلى أربعة وهي:التعميم / التخطيط / الاستشارة / والإدارة المشتركة للتغيير [32] ، بالنظر إلى معيار المشاركة .

ب ـ التغيّر العفوي أو الموازي.

      يستدعي التغيّر المخطّط إتّجاه التحليل نحو مقولات الشكلي ونحو العقلاني والقصدي والمنظّم والموجّه ونحو مفهوم المشاركة بالأساس , فالتغيّر المخطّط ضمن المديني يحيل إلى أربعة استراتيجيات حسب تيسياي لإحداث التحوّلات داخل التنظيم الفضائي والاجتماعي المديني . وتحاول كلّ إستراتيجية تغير درجة تشريك الفاعلين في تحديد المشكلات وتصوّر واختيار الحلول  وتحديد وسائل ومناهج تطبيقها [33] أو في ما يسمّيه لادروت بالأعمال العموميّة [34] .

      إذا كان التغيّر المخطّط يضعنا أمام مقولات المشاركة، التشريك، السلطة وميزان القوى السلطوي داخل المدينة، فإنّ التغيّر العفوي يحيلنا إلى اللاشكلي وإلى المخفيّ والمقدّس والخيالي والرمزي مثلما إلى مقولات : المقاومة وإلى الفاعل المديني ذاته . والفاعل المديني في قصدنا هو شاغل الفضاء المديني والمستخدم أو المستعمل له . إنّ الإستعمال هو وحدة البحث الضرورية لتعقّل وفهم تعاطي الفاعلين للفضاء المديني الذي يشغلونه ويتحرّكون ضمنه كجسد وذاكرة ويتفاعلون ويحيونه عبر إدراكهم وتمثّلاتهم له "وتحيى معهم المدينة " [35]. وتقرأ الذاكرة عبر استهلاك أو استعمال الفضاء بإعتباره " مجال المجازات " [36] وبالتالي المعاش الفضائي للفاعلين المدينيين . ننظر بهذا المعنى " للتغيّر الاجتماعي كعملية فضائيّة " [37]. تصبح معه مقاربة التحليل السوسيولوجي لليومي أي حياة كل الأيّام بكلّ تفاصيلها حتّى البسيطة منها أمر ضروريّ. فضمن الوضعيات البسيطة [38] لليومي والمعاش الفضائي يجد التغيير العفوي تفسيره. فاليومي هو مجال تموضع الذاكرة في المعمار والتوزيع الوظيفي والترتيب اليومي للفضاءات والاستعمال وبالتالي مجال المخيال الجماعي وللرمزية والمقدّس أو واللا مقال. وهو ما يذهب إليه مافيزولي في اعتباره أنّ " التعلّق بالمنزل وبالأرض وبالمكان وبالعادات يقوم على هذه الخاصيّة المقدّسة " [39] .

       إنّ ما نعبّر عنه بالتغيّر العفوي أو الموازي لا يطرح نفسه ضمن المدينة كتحوّل أو تبدّل بل تواصل مع الماضي واستدعاء يومي للذاكرة الفضائية الجماعية ، يضع التقليدي في قلب الحديث والحديث في مواجهة أشكال أو أنماط حياة تقع في جوهر القطيعة التي يهدف إلى تأسيسها مع ما يمدّ إلى الخلف ويخلق الازدواج والمقاومة أي كبح ما يتّجه إمّا إلى المضمون أو شكل أو نسق التغيّر الموجّه أي التمدّن والحداثة في المدينة العربية الإسلامية اليوم. وهو ما يشكّل تقريبا موضوع إجماع كلّ دارسي المدينة العربية الإسلامية.

    لا يطرح التغيّر العفوي نفسه كبديل للتحوّلات التي هي نتاج وموضوع المراقبة الاجتماعية وإنّما كتعبير رمزيّ للرأسمال الثقافي وللذاكرة الفضائية لجماعة أو جماعات اجتماعية معيّنة ورفض ومقاومة للتجديد وما يشكّله من تهديد لقيمها ومعاييرها وتمثّلاتها ومع صورتها لذاتها ولما حولها ، التي تحقّق لها تواصلا مزدوجا مع الفضاء : تواصل مع الماضي وبالتالي الذاكرة عبر الفضاء الممارس والمعاش عبر هذه الصورة والتمثّلات الفضائية مثلما الأهداف. وهو ما يخرج الفاعل من اجتماعويته الدوركايمية وعقلانيته المفرطة التي تحيل إلى الوعي الخالص وتقصي جانب اللاوعي الفردي مثلما الجماعي أي يخرج التحليل من المغالاة والاختزالية المفرطة في بعديها الجمعي والفرداني . وتواصل من ناحية أخرى مع الحاضر المديني بشكل يحقّق لها الاندماج مع الاحتفاظ بهويتها وحمايتها أي بمجال فاصل بعبارة مافيزولي أو مجال للغرر بعبارة كروزي يضمن لها هامشا من المناورة والتفاوض لتحقيق هدف مزدوج ينعكس على كلّ مظاهر المعاش اليومي.هذا التقابل بين"الدوام والتغيّر الملاحظ والمنعكس في المعاش الفضائي يشكّل إحدى المشاكل السائدة للتمدّن ، في المدينة العربية التقليدية مثلما المعاصرة " [40] وهو ما يجعلنا نطلق عليها مع الدكتورة زنّاد  تسمية : المدينة المزدوجة .

ج ـ استراتيجيات التغيّر :

        إنّ قصديّة التغيّر الموجّه مثلما عفويّة التغيّر الموازي رغم إحالتهما للتحليل على طرفين مختلفين لكنّهما غير متعارضين أو متناقضين بالضرورة دائما ، فإنّهما يقتضيان استدعاء مقولة الإستراتيجيّة. وقد إتّخذ هذا المفهوم معاني عدّة لدى منظّري  التغيّر القصدي مثل قريني و إدقار سشان و وارن بينيس و ليفين وغيرهم . ويمكن تضمين مفهوم الإستراتيجية في ثلاثة معان . فـ وارن بينيس وإدقار سشان يسندان لمصطلح الإستراتيجية برنامج أفعال أي دلالة تنظيم أو بنية وسائل متعدّدة  متبنّاة من قبل عون أو أعوان التغيّر القصدي العقلاني لتحقيق أهداف معيّنة. أمّا بالنسبة لليفين فيرادف بين الإستراتيجية والمقاربة. فالإستراتيجية هي مقاربة التغيّر بمعنى أنّها تمثّل الكيفيّة التي سيتبصّر بها العون مشكل التغيّر الاجتماعي، أي أنّ العون يختبر المنظومة الاجتماعية التي ضمنها يتدخّل لإحداث التغيّر [41] . وتتّخذ الإستراتيجية دلالة تقنيّة أو أداة أو منهج فعل يحدّده ويلتزم به العون لتحقيق الأهداف المضبوطة مسبقا . يقترح كلّ من نورو و تيسياي و ترنمبلاي تعريفا توفيقيّا وأكثر شمولية من التعريفات السابقة, فالإستراتيجية تتّخذ لديهم معنى"مجموع وسائل مستخدمة وأفعال ملتزم بها من قبل عون ضمن فضاء معطى لغاية بلوغه هدف خالص"[42]. يجمع هذا المفهوم بين الدلالات الثلاثة المعطاة لمصطلح إستراتيجية التغيّر القصدي أي المخطّط. وهو يحتمل قابلية استعارته أيضا ضمن تناول التغيّر العفوي أي فعل الفاعلين الاجتماعيين في النسق الذي يتلقّون إكراهاته أو إلزاماته ولكنّهم لا يذوبون كليّا في تحديداته . فالفاعل يملك فعله وهو يد وقلب موجّه بمثيرات اقتصاديّة واجتماعية لكنّه يملك عقلا أي أنّه كائن مستقلّ قادر على الحساب والتكيّف والتخيّل في علاقاته مع التنظيم وبالتالي يحتكم ضمن أفعاله إلى مصالح أو أهداف قد تتّفق مع الرسمي والمبرمج أي القصدي والموجّه وقد تتعارض معه . من هذه الزاوية يوظّف الفرد وسائل لبلوغ أهدافه وبالتالي إستراتيجية تكيّف أو اندماج أو مقاومة للتجديد وللتغيير تتحدّد بمدى التقارب أو التعارض أو إمكانية ذلك بين ما يطرحه التجديد وأهداف الفاعلين المدينيين مثلما تصوّراتهم وتمثّلاتهم وقيمهم ومعاييرهم الثقافيّة .

       إنّ مقولة الإستراتيجية سواء على مستوى القصدي أو العفوي تقود حتما إلى مقولتيّ التخطيط والعقلانيّة. إلاّ أنّ المغالاة في القول بعقلانية الفاعل الاجتماعي وبالتالي الفعل الاجتماعي يقع خارج متون البحث وبالمثل الجبرية الاجتماعية التي تغتال الفاعل وتعزله عن فعله وتحوّله نتاجا لعون آليّ للنسق أي السياسة التمدينيّة ولأعوان التغيير المخطّط . فالفضاء المديني لا يستجيب دائما لوظيفيّته التخطيطيّة ولا يفرز التغيّر المبرمج عبره.لأنّ الفضاء يؤوّل أي يعاش عبر كلّ الموروث القيمي والمعاييري المتّصل بالفضاء المرجعي لشاغلي الفضاء المديني أي عبر الوجه الآخر للواقع الغير مغاير بالضرورة وهو وجه الخيالي والخارق والمقدّس والرمزي في بعده لا الفردي بل الجماعي . فالفضاء المديني هو حقل تفاعلات بين الشكلي واللاشكلي : بين الموجّه والعفوي / بين الضبط الاجتماعي والمقاومة أو الرفض أي بين استراتيجيات فعل متعدّدة ومختلفة ونتاج لها . معنى ذلك أنّ مقاربة ظاهرة التمدّن أو حاضر المدينة يقتضي استدعاء كلّ الأعوان أو الفاعلين المدينيين . لكن من هم هؤلاء . هذا ضروريّ تبيانه حتّى تكتمل الرؤية لدى القارئ لتعقّل توجّه البحث في إحاطته بموضوع بحثه .

  4 ـ مفهوم الفاعل المديني : من هم الفاعلين المدينيين

      إنّ أيّ طرح لمسألة التنمية الحضريّة والتغيّر المديني لا يجب أن يقف عند المستويات التي يتحدّث عنها لادروت وهي التخطيط الحضري والمراقبة المجتمعية. فالتخطيط كما سلف وأن أشرنا يحيل إلى ضرورة تبيّن إستراتيجية التغيّر المتبنّاة ووسائل المراقبة " العقلانيّة للتمدّن وللتنمية " [43] داخل المدينة. لا يكفي ذلك بل لا بدّ للتحليل السوسيولوجي أنّ يتساءل عن أعوان التغيير. لأنّ هذا البعد التحليلي هو الذي يفضي بنا إلى شكل التخطيط التنموي والحضري مثلما إلى الجماعة أو الجماعات المؤثّرة أو الموجّهة له. ثمّ إنّ أيّ تنظيم "لا يوجد إلاّ عبر وساطة فاعلين " [44] والتنظيم ذاته هو " بناء اجتماعي أو نتاج نشاط إنساني" [45] .

      تستدعي ، إذا ، مقاربة التخطيط الحضري والتغيّر الاجتماعي داخل الفضاء المديني ضرورة الفاعلين المدينيين ، لكن من هو الفاعل المديني ؟ يستخدم منظّري التغيّر المخطّط والقصد داخل التنظيم عبارة : عون أو أعوان التغيّر ويطلقونه على من"يتصرّف في الفاعلين التنظيميين بمقتضى تفويض ظاهريّ أو ضمني من الإدارة لغاية الحثّ على تغيّر مخطّط ضمن إطار الأفعال المنسجمة والعقلانية " [46] . لكن نجد أنهم يستخدمون مصطلح الفاعل للإشارة لعون التغيير مثلما (الجماعة ـ التابعة) [47] أي الموجّه إليهم التخطيط أو هم هدف التغير المخطّط. ثم إنّ ما يميّز استراتيجيات التغيّر القصدي والموجّه ، لدى روبارت بوبار هو نمط تقاسم مراقبة مجموع تمشي التغيّر . معنى ذلك أنّ الفاعلين في سلوكهم العيني " لا يستجيبون لقواعد مغلقة " [48] أو بعبارة كروزي الإلزامات البنيوية التي تشكّل" السياق الذي ضمنه يحيا الفاعل" [49]. يطلق ، إذا ، منظّري التغيّر الموجّه اسم العون على المخطّطين والفاعل على الموجّه لهم التخطيط  ويستدعي جانب العون مقولات التخطيط وتحديد المشكلات وانتقاء الحلول واختيار وسائل ومناهج تجسيدها ووسائل مراقبة التحوّلات ، أمّا جانب الفاعلين فترافقه مقولات المشاركة ، الرفض والمقاومة أو الانخراط والتبعيّة .

         يسمّي لادروت أعوان التغيّر لدى تيسياي بالأعوان الجماعيين المدينيين . ويتصنّف الأعوان الجماعيين إلى أعوان جماعيين عموميين وأعوان مدينين خواصّ.  يشمل الصنف الأوّل صنفين هما: الأعوان الجماعيين البلديين وأعوان الخدمات المحليّة للإدارات المركزية. ويعطي موقع الأعوان الجماعيين البلديين لسلوكهم كأعوان عموميين وللتصرّفات التي تنتج عنها، مكانة ودلالة مميّزة وخصوصية ضمن الأفعال التي لها تأثيرها على الجماعة الحضرية. ويميّز لادروت في إطار هذا الصنف بين :

        ☼ ـ دور أعضاء البلدية المتّسم بالشمولية بالنظر للمستخدمين بإعتبار تعلّقه بالاختيارات الأساسية ضمن التخطيط المديني والتنمية الحضرية أي التغيّر المديني.

        ☼ ـ دور المستخدمين الذي هو دور جزئيّ بإعتباره مرتبط بغايات مخصّصة

أمّا الصنف الثاني من الأعوان الجماعيين العموميين وهم أعوان الخدمات المحليّة للإدارات المركزية فقراراتهم لا تجد مرجعيتها مباشرة داخل الجماعة المحليّة موضوع القرار ، لكن طبيعة العلاقة التي تربطهم مع الأعوان الجماعيين البلديين تحتلّ مكانة هامّة وحسّاسة في مسألة الاندماج الحضري .

    إنّ الفعل في الفضاء المديني وفي الاندماج الحضري يتّسع ليشمل من يسميهم لادروت بالأعوان المدينيين الخواصّ وهم مجموعة متشكّلة من الباعثين المحلّيين الذين يحتكمون هم أيضا على سلطة. وتمارس مؤسّساتهم تأثيرات متعدّدة على المدينة تتجاوز المستوى أو الفعل الاقتصادي. فللأعوان الحضريين الخواص تأثير على ترتيب الفضاء الحضري وحتّى النمو الديموغرافي بفعل المبادرات التي يتّخذونها وتنعكس آثارها على المحيط المديني . يلعب " التجّار والحرفيين ورؤساء المؤسّسات والباعثين العقاريين دورا هامّا في نمذجة المدينة على الأقلّ في جزء منها " [50].إلاّ أنّه لم يوضّح : هل في جزء من المدينة أو في جزء من فعل التشكيل أو النمذجة . يصبح الأعوان الحضريين الخواص إذا أخذنا بالمعنى أو التأويل الثاني طرفا من بين الأطراف. يتعيّن على لادروت تبيان جانب الإسهام وأهمّيته في عملية تشكيل أو نمذجة الفضاء المديني. وهو ما استدركه الباحث وإن ليس بالدقّة المطلوبة حين دفع بتحليله إلى مستوى تأطير فعلهم في المدينة ضمن إطار المراقبة الاجتماعية للتحضّر. فقراراتهم وسلوكاتهم تتّخذ لديه اتّجاها أو نزعة جمعيّة . ويختلف مستوى اندماج سلوكهم حسب"حدّة وطبيعة المراقبة الاجتماعية الحضرية" [51].ومّما يضعف، في نظرنا،الأهميّة التي يسندها لادروت اعتباطيّا للأعوان الحضريين في نمذجة المدينة هو إخضاعه فعلهم لتبعيّة مزدوجة. فمن ناحية يتحدّد حجم تأثيرهم على الفضاء المديني وتكييفه للمراقبة الاجتماعية الحضرية ومن ناحية أخرى بالإجماع المديني أي الأهداف الأساسيّة محلّ اتّفاق وإجماع متساكني المدينة التي تحدّد "انسجاما ما في استعمال الفضاء أي نظام فضائي معيّن" [52] .

      تلعب العلاقات لا الممكنة أو المتوقّعة أو المفترضة بل الموجودة فعلا بين الأعوان المدينيين الخواص أي المقاولين والتجّار والحرفيين وأصحاب مؤسّسات البعث العقاري والمؤسّسات الصناعية، دورا فاعلا في إواليات اندماج السلوكات وعمليات مشاركة الأشخاص. ويحتلّ شكل العلاقات بين هؤلاء الأعوان وبين أفعالهم ، مكانة رئيسيّة في صياغة أنماط تنظيم الجماعات المدينيّة .

        يميّز لادروت بين القرارات المنتجة للتغيّر والقرارات المتّخذة حول التغيّر نفسه وحول شكله لا محتواه . وهو يميّز أيضا ضمن القرارات والأفعال المنتجة للتغيّرات بين تلك المنتجة له مباشرة ويسمّيها "المشروعات " [53] والقرارات التي لا تفرز نتائج إلاّ بكيفيّة لا مباشرة ويسمّيها"تحفيزات". ويتجاوز التباين بين هذين الصنفين من القرارات مستوى المباشرتية إلى مستوى الغايات. فغاية الأفعال والقرارات المنتجة مباشرة للتغيّر أكثر ايجابيّة وتقنيّة وأكثر ضيقا وقربا ، في حين أنّها أوسع وأكثر لا تحديديّة أو جبريّة في الزمن وأكثر معياريّة من الغير مباشرة . أمّا الأفعال والقرارات المنتجة التي تمارس حول التغيّر خاصّة من قبل الأعوان العموميين فهي ذات نزعة كبحيّة للتغيّر بما أنّها تهدف إلى " تحجيم ومراجعة وحتّى إلغاء أو تعطيل عديد الأفعال" [54]. لكن الاتجاه الكبحي لهذه الأفعال والقرارات لا يحجب الجانب الإيجابي لها. وتتجسّد ايجابيتها في" توجيه وبلورة وتحويل التغيّرات في حينها " [55]. وهي قادرة على الوصول حتّى إلى تغيير إتّجاه عدّة انجازات دون أن يفضي بها ذلك إلى إلغائها أو إيقافها . على أنّ الوسائل مثل أشكال الفعل ليست متاحة لأيّ احتكار من قبل أيّ من الأعوان الحضريين. معنى ذلك أنّه لا وجود لديه لتصنيف للوسائل ولا لأشكال الفعل يوازي تصنيفه للأفعال والقرارات أو الأعوان المدينيين الجماعيين . فكلّ شكل للفعل تعطيليّ أو تحفيزيّ للتغيّر وكلّ وسيلة معطاة لتوظيف متعدّد الأعوان الحضريين الخواص والعموميين . يصبح من الضروريّ على أيّ بحث،إذا،أن يتّجه أساسا إلى تعقّل أشكال ونماذج فعل متعدّد ومختلف الأعوان المدينيين في المدينة وتشكّلها. فلا يجوز، في نظره، إلحاق شكل معيّن للفعل أو وسيلة ما بصنف معيّن من الأعوان العموميين البلديين دائما في الإكراه أو المراقبة مثلا في مقابل إسناد المبادرة للأعوان الخواص. ذلك ما يعني أنّ المراقبة والإلزام والمبادرة ليست موضوع احتكار كامل ونهائيّ بقدر ما هي موضوع اشتراك لكن يشمل ما هو غير مستقرّ نظرا لخضوعه لعوامل محدّدة عدّة. لذلك يعتبر لادروت أنّ التمشّي الحقيقي يتمثّل في التوجّه بالتحليل أساسا ، إلى تمثّل العلاقات القائمة أو الفعليّة والراهنة لا فحسب بين أعوان الحضريين والسلط والتجمّعات والمؤسّسات لتبيّن النظام الجماعي للجماعة الحضرية بل أيضا النماذج الممكنة للفعل وللنظام الجماعي لمدينة معطاة.

     هل يمكن اعتبار متساكني المدينة أو بعبارة أخرى شاغلي الفضاء المديني أعوان مدينين ؟ وهل يمكن أن يكون لأنشطتهم وأفعالهم دلالة ووظيفة جماعية ؟ هذا ما يطرحه ويتساءل عنه لادروت وما يمثّل جوهر بحثنا . لا ينفي لادروت جمعيّة سلوك شاغلي المدينة لكنّه يقرنه بشرط مستوى مشاركتهم وانخراطهم في الحياة الجماعية للمدينة أو الجماعة الحضرية . فحياة المتساكنين "تتعلّق في كلّ لحظة بتهيئة الفضاء المديني" [56]. لكن حياة الجماعة الحضرية أي متساكني المدينة ليست ، في منظوره ، سوى تحرّكات وانتقال داخل فضاء العمل واستهلاك السلع مثلما الخدمات. فهم يعيشون ومعهم تحيى المدينة، ذلك أنّ تغاير وتبدّل نسق وخاصيّة وتكرّر هذه الحركات يفرز تحوّلات يكون لها تأثير أو فعل في المدينة بمجملها. لكن شرط أن يشمل ذلك عدد هامّ من الحضريين أو جماعات إستراتيجية. يوحي هذا الشرط بأنّ  لادروت لا يتمثّل محتلّ وشاغل الفضاء المديني في علاقته بفضائه الخاصّ قبل العام الجماعي والمشترك أو معطى للاشتراك . وهي مسألة مفهومة اعتبارا لأنّ معيار جماعيّة الفعل أو تحوّل المتساكنين إلى أعوان مدينين جماعيين يتعلّق لديه بمدى مشاركتهم في الحياة الجماعية للمدينة . فمن يستجيب لهذه الحاجة " يتصرّف كعون جماعيّ لديه " [57]. يقارب ، إذا ، منظّري التغيّر المخطّط مثلما لادروت ، المديني محتلّ وشاغل الفضاء المديني كعون للتنظيم الحضري . وذا كان يتمتّع بفعل فمجاله ضيّق وهو في آخر التحليل عون يعزل فعله عن تمثّلاته وعن مخياله وأحلامه وذاكرته التي  تتمظهر في وعبر الفضاء الذي لا يشغله بل يحياه رمزيّا . فهؤلاء يقفون على ظاهرة كونية مثيرة في مدن اليوم وهي عزوف شاغلي الفضاء المديني عن الانخراط في الحياة الجماعية للمدينة والمشاركة في بلورة السياسات التنموية إمّا مباشرة أو عبر السلوك الانتخابي. لكنّهم يقفون غالبا عند فعل الوصف ولا يبلغ التحليل لديهم مستوى التفسير السببي أو صياغة الترابطات السببيّة للظواهر والعوامل التي يطرحونها عرضا. فحركة الجسد وانتقاله داخل الفضاء مثلما تحيل إلى مكانة الفرد ومستوى عيشه تستجيب لكلّ مخزونه الثقافي والرمزي. فتواصل الذات مع الفضاء الذي تحيى ضمنه وتتفاعل معه وفي إطاره مع وعبر كلّ ذاكرتها الفردية والجماعية هو تواصل مع الماضي واستدعاء له في الحاضر المعاش ، ينعكس في اليومي أي الإستعمال المطّرد للفضاء. فعبر الإستعمال أي عبر الممارسة الفضائية الرمزية بالأساس يتحدّد معنى ووظيفيّة الفضاء الفعليّة لدى شاغله. إنّ من يسمّيهم لادروت بالمتساكنين يلعبون دورا في سيرورة التغيّر الذي هو فضائيّ عبر إخضاعهم للفضاء الخاصّ مثلما المديني لتمثّلاتهم الفضائيّة باعتبار أنّ"الحياة اليومية تمثّل" [58] بالأساس، ولأهدافهم الفردية أو الجماعية. يكيّف الفرد الفضاء الخاصّ وظيفيّا ومعماريّا وجماليّا وسلوكيّا لذاكرته ولتقديم صورة عن نفسه للآخر المديني لا تكون مطابقة له دائما وإنما تستجيب لتصوّره للآخر وما ينتظره منه وللفضاء المحيط به.

      فكلّ فرد لدى قوفمان ينخرط في" الفاصل بين ما يريد أن يكونه  وما هو عليه في نظر الآخرين" [59] وبالتالي يفهم الاجتماعي لا في " معناه الموضوعي بل في المعنى المفكّر فيه ذاتيّا من قبل الذين يؤدّونه" [60]. فشاغلي الفضاء بهذا المعنى هم فاعلون يحتكمون على هويّة ومخزون ثقافي يموضعهم جماعيّا ويمارس عليهم إكراهات تنعكس في فعلهم مثلما في تمثّلاتهم ، لكنّهم في ذات الوقت يوظّفون مخزونهم ، بصفة واعية، وفق استراتيجيات فعل ملائمة لتجسيم أهدافهم . فالإنسان " يفعل أي أنّ له إرادة وهدف ودافع" [61]. ففعل الفاعل الاجتماعي كما لدى فيبر لا يدرك كمجرّد أثر للبنى الاجتماعية. فلا بدّ لتعقّله وفهمه من أن ينفذ التحليل إلى مقاصد ودوافع الفاعل المديني والوسائل التي يتصرّف فيها أو يعتقد أنّه يتصرّف فيها مثلما التقويم الذي يعطيه الفاعل نفسه لمختلف وسائله. لكن هذه الوسائل التي يوظّفها الفاعل ضمن إستراتيجية فعل مثلما اختياراته لا تنفصل حسب برنستاين عن تأثير البنى الاجتماعية في المجال المديني الذي يحيا ضمنه ويحيا به . فالفضاء المديني الذي يتحرّك ويتفاعل ضمنه ومعه الفاعل المديني الشاغل والمستعمل له ، لا يبدو كما ذهب لذلك مارلوبونتي " كمنظومة أشياء نألّف بينها لكن كمنظومة مفتوحة لأشياء نسقط عليها ذواتنا " [62]. وهذا يعني أنّ الفاعل المديني ينظر ويتعاط مع العالم من حوله من وجهة نظر معيّنة ومن زاوية ومسافة معيّنة واتّجاه معيّن ، يحيلنا إلى أبرز الإشكاليات التي تعيشها المدينة العربية الإسلامية اليوم ( والتي منها الحفصية ) في ظلّ سياسات لا تولي اعتبارا في تخطيطها الحضري والتنموي للمدينة " للقيمة الثقافية للاستعمال وحيازة الفضاء " [63] لدى شاغلي الفضاء المديني متعدّدي المرجعيّات الفضائيّة وبالتالي التصوّرات والتمثّلات الفضائية والتقويمات القيميّة والمعياريّة للفضاء التي تنعكس في الممارسة الفضائية اليومية أي المعاش اليومي الفضائي الذي يكشف عن ازدواجيّة تطبع مورفولوجيّة المدينة مثلما العلاقات والسلوكات والمواقف في ظلّ اختلاف وتعدّد أهداف الحيازة أو التواجد ضمن المكان.





    5 ـ الذاكرة الجماعية والسلوك الفضائي:

      إنّ النّاس"لا يحيون كأموات" [64] ضمن الفضاء الذي يشغلونه جسدا وذهنا ولكن أيضا عبر ذاكرة جماعية. توصل الذاكرة الفاعل بالذي كان في الفضاء ذاته أو في الفضاءات المرجع. فالنّاس لا ينقطعون عن ماضيهم أي ذاكرتهم عند التحوّل من فضاء إلى آخر مغاير ضمن المدينة أو من فضاء ريفيّ أو تخوميّ إلى مدينيّ أي من تمثّل وتصوّر للفضاء ونمط عيش إلى آخر ومن يومي إلى آخر. فالفرد مثلما الجماعة يتحوّل ويتحوّل معه كل موروثه الثقافي وكلّ ثقافته المعيشيّة وكلّ تصوّراته وأوهامه وأساطيره ومخياله وتمثّلاته وتطلعاته التي تلتصق بالفضاء المشغول وتشكّله. ولعلّ أوضح مجال لإختبار صحّة ذلك هو المركّبات السكنيّة المشيّدة عبر الباعثين العقاريين الخواص أو الدولة والتي تستند فيها الوحدات السكنية إلى نفس المعايير وتوحّد الشكل واللّون ون اختلفت المساحات أحيانا. ففي هذه الفضاءات نلاحظ بعد مدّة من الحيازة ليست طويلة خضوعها إلى تدخّلات من الشاغلين لها على مستويات الواجهة أساسا وبالدرجة الأولى ثمّ على مستوى اللّون العام أو تناسق الألوان بين الجدران والأبواب عبر الشبابيك الخارجية مثلما الداخلية ، إلى مستوى إعادة رسم التوزيع الفضائي لوظائف الجسد داخل المنزل / الفضاء الداخلي الخاصّ، أي ترتيب الغرف بما يستجيب لمعايير أخلاقيّة وجماليّة بالأساس[65]. يعني ذلك أنّ كلّ هذا المخزون الذي يشكّل ويكوّن الذاكرة ويتجسّد رمزيّا، يصبغ الفضاء الذي يشغله الفاعلين. وهو ما تعكسه كما أسلفنا المدينة العربية الإسلامية من خليط متباين ولا متجانس ضمن الفضاء الواحد بين أشكال حيازة واستعمال الفضاء والتواصل معه. تحيل الموضعة الفضائيّة للذكريات، في نظرية هالبوشز حول الذاكرة الجماعية وأطرها الاجتماعية ، إلى " وجود مورفولوجيا للحياة العقليّة داخل مساحة جغرافية وإراثيّة ـ طبوغرافية ـ " [66] .

      ثمّ إنّ الاجتماعي مثلما الفضائي يرتبطان بقانون مورفولوجي حراكي [67] . فإعادة بناء أنماط التبادل الرمزي الاجتماعي يحوّل مجال الذاكرة "إلى مسرح معرفة موضوعيّة" [68]. تشكّل هذه الذاكرة، لدى جودي، كليّة يستنفذ ضمنها الاجتماعي في منظومات علامات ثقافيّة. يمكن للذاكرة،إذا،مثلما الرمزية الاجتماعية أن تكتسح كلّ الحياة القائمة التي تلعب ضمنها الأشياء والصور والحكايات ، لديه ، دور شواهد على الذاكرة أو الاستفزاز أي استحضار الذكريات لدى هالبوشز. ألاّ أنّ الذاكرة، في تصوّرنا لا تتعقّل كنوع " من تكتيل للذكريات" [69] كما لدى جودي بل أنّ الذكريات المتعلّقة بالماضي الفضائي تحمل معها شحنة ثقافيّة رمزيّة بمعنى أنّها تصطحب وتخزن معها في ذاكرة الفرد مثلما الجماعة تصوّرات ومفاهيم وصور وقيم الذي كان ومازال يحيا مع الفرد قناعيّا وبالتالي رمزيّا ، في توحّد مع ما تحتفظ به ذاكرته من أشياء وعلامات وذكريات الذي كان في الفضاء ذاته أو الفضاء الأصل. وهو ما يفسّر اعتبار كابال أنّ "التحوّلات الهامّة للفضاء الحضري ـ ظهور أحياء جديدة أو اكتساب وظائف جديدة ـ  تتأخّر كثيرا لتندمج في  تصوّرات المواطنين" [70]  حول هذا الفضاء.

         ينفي هذا الفاصل الزمني بيت التغيّر في الفضاء المديني والتغيّر في صورة الفضاء لدى شاغله، العلاقة الماديّة والمباشرة بين الفضاء وشاغله. فالفضاء هو علاقة أو نتاج علاقة تواصليّة وعلاقة استعمال يتخلّلها كلّ المخزون الثقافي والرمزي أي الذاكرة. وتحدّد هذه العلاقة وظيفيّة هذا الفضاء في التصوّر والممارسة اليومية للفاعلين. فالفضاء المعاش هو نتاج العلاقة بين الفضاء المدرك والفضاء المتصوّر[71].ثم إنّ ما يبدو"ليس بالضرورة الحقيقة" [72].فمن الخطأ،إذا، حسب دوبو" أن لا نفهم ما يرتسم في الواقع " [73] .

         لا تختزن ذاكرة جماعة ، الظواهر فحسب بل كيفيات عيش وتفكير الذي كان.والذاكرة الجماعية،في نظرية هالبوشز ، تنشط عبر الإثارة التي يصنعها حضور شخصيات نصبيّة أو متخفّية حيّة شاهدة على الماضي.وتترسّخ عبر هذه الشخصيات الشاهدة والواصلة بين الماضي والحاضر أي بين ماضي هذه الشخصيات النصبيّة: كالجدّ والأب والأشياء الدّالة عليه،وحاضرنا.لكنّ الشاهد الأوّل المعطى والممكن لنا استدعائه في كلّ آن ومكان من الفضاء الذي نتحرّك ضمنه هو" نحن " أنفسنا. فنحن ، حسب هالبوشز، "نحمل معنا وفينا كمّية من الأشخاص الذين لا يتداخلون فيما بينهم" [74].

      يتموقع هذا "النحن" وينتشر فضائيّا وبالتالي يستمدّ وجوده مثل جوهره من الفضاء الذي يشغله، إلاّ أنّ ذلك لا ينطبق كليّا بهذا المعنى إلاّ على من يمثّل الفضاء الذي يشغله فضاء المرجع في الآن نفسه. ذلك أنّ "النحن" يتشكّل انطلاقا من الطفولة وطوال التواجد والتفاعل ضمن الفضاء وحين ينتقل إلى فضاء مهما كان مدى تماثله أو تباينه مع الأصل، لا يتكيّف مع الفضاء الجديد بل العكس ما يحدث . فنحن نسقط ذواتنا على الفضاء أو نجسّدها فضائيّا وانطلاقا منه، أي أن الفاعل يخلق بشكل واعي أو لاواعي تناغم وانسجاميّة بين "الهابيتوس" الفردي والجماعي وفضاء التكيّف أو فضاء التفاعل والتواصل مع الذات ومع الذاكرة (المنزل بالذّات) وع الآخرين (المدينة أو الفضاء العام أو المشترك).

     يطرح هالبوشز الذاكرة الفردية مثلما الجماعية في اقتران بمقولة الشواهد المحفّزة للتذكّر، إلاّ أنّ هذه الشواهد والتي تعني في الغالب لديه الشخصيات النصبيّة لا تستفزّ الذاكرة بذاتها كلّيا , ففعاليتها وفاعليتها مقرونتين بشرط وجود أثر معيّن للحدث الماضي لا في الواقع بل في ذهننا. فالذاكرة الجماعية تعيد تركيب الماضي الذي نحتفظ  منه بذكريات حقيقيّة وأخرى خياليّة ، ماض يترك آثارا قابلة للملاحظة العينيّة أحيانا ، تدركه الجماعة ضمن تعبير الصور وداخل مظهر الأماكن وحتّى في " طرق التعبير والإحساس المحتفظ به والمعاد إنتاجها ، لاوعيا، عبر أشخاص معيّنة وفي أماكن ما " [75]. ولا تقتضي ضرورة استدعاء أحداث أو ظواهر ماضوية أن تكون أطرافا فاعلة فيها. يكفي ، لديه، أن نكون شاهدين أو حاضرين ضمنها لتحتفظ الذاكرة بصورة عنها. ولا تقتضي ضرورة استدعاء أحداث أو ظواهر ماضوية أن تكون أطرافا فاعلة فيها .  فيكفي, لديه, أن نكون شاهدين أو حاضرين ضمنها لتحتفظ الذاكرة بصورة عنها.

    فالذاكرة ، بما هي إعادة تركيب وبناء للماضي المعاش، تستعين في تحقيق ذلك بمعطيات مستمدة من الحاضر.من هنا،يصبح الفضاء المديني، بعبارة جودي، متحفا لآثار ذاكرة الإجتماعي وشاهدة على الذي كان والذي يتواصل في الحاضر المديني حيّا. لكن في ارتباط فقط بإستمرارية تواجد الجماعة على الفضاء/المتحف. لذلك يعتبر هالبوشز أنّ''ديمومة أي ذاكرة محدّدة بديمومة الجماعة ''. والذاكرة الجماعية، في تصوره، تفكير متواصل وديمومة تنتفي عنها صفة التصنّع أو الافتعال، بما أنّها '' لا تحتفظ من ماض إلاّ بما هو حيّ أو قادر على الحياة داخل وعي الجماعة التي تحفظه'' [76]. فلا وجود لفراغ مطلق ضمن الذاكرة الجماعية مثلما الفردية،إلا أنّ اللا نسيان من جهة والطبيعة الحركية للذاكرة أي التبدل الموازي للتغير المستمر للجماعة من ناحية أخرى ، لا يعني كونها تصبح أكثر مشحونة أو ثراء .

    تقدّم الذاكرة الجماعية للجماعة الإجتماعية التي تقترن بها ، لدى هالبوشز، رسما عنها يتمظهر في الزمن،على اعتبار أنّه يحيل هذه الجماعة إلى ماضيها أو يوصلها به بشكل يسمح لها بالتعرّف على ذاتها ضمن تعاقب الصور التي تشكّل ، لدى جودي ، وسيلة جوهرية '' لتوظيف الذاكرة وشواهد على الذاكرة الجماعية '' [77] .

   يعتبر، هالبوشز ، أن عملية إعادة تركيب صورة حدث ماض تظلّ مبتورة وتسمح بإستحضار ذكرى ما ، بل من الضروري أن تقترن هذه العملية بمعطيات أو مفاهيم معيّنة ، موضوع اشتراك ، يتضمنها ذهننا مثلما أذهان الآخرين عناصر الجماعة الإجتماعية الواحدة . فالفرد يلتجأ للذاكرة أي لماض جماعي ينخرط في حاضره الفردي والجمعي ليجيب على أسئلة، إمّا أن الآخرين يطرحونها عليه فعلا أو انه يفترض أو يتوقع صدورها عنهم أو احتكامهم عليها .

         يثبت هذا الفهم الهالبوشزي، مرة أخرى ، شرط الحضور المادي أو الفعلي للآخرين في فعل التذكّر أي اشتغال الذاكرة الفردية أو حتى الجماعية في تواجد الجماعة ذاتها. ففعل الإثارة التحفيزية للتذكّر مصدره خارجي عن الفرد أي من  الجماعة أو الجماعات التي يمثل عضوا فيها. تمكّن الجماعة المرجع أو الجماعات التي ينخرط ضمنها الفرد، في كل لحظة، من وسائل إعادة بناء الفرد لذكرياته أي ذاكرته.

        يغدو من الأساسي ، في هذا الاتجاه ، أن تتم مقاربة أو تناول الذاكرة الجماعية لدى هالبوشز في تواز مع أطرها الإجتماعية . فالتفكير الفردي لا يمتلك قدرة التذكّر أي الاستحضار إلا بعد تموضعه من جديد ضمن الأطر الإجتماعية وينخرط في الذاكرة الجماعية. ذلك أنّ الإنسان يكتسب، طبيعيا، ضمن المجتمع '' ذكرياته ويتذكرها..وأين يشخّصها ويموضعها '' [78]. تفضي هذه الأطر الإجتماعية للذاكرة ، التي هي دالّة جماعية ، بنظرية هالبوشز إلى صياغة رابط بين صورة الماضي التي تعيد تركيبها الذاكرة استنادا للذكريات الفردية والتفكيرات المهيمنة للمجتمع في كل حقبة  من تاريخ المجتمع . ثم إن هذه الأطر الإجتماعية هي ، من ناحية أخرى ، نتاج أو تحصيل تركيب أو تجميع معين لذكريات فردية لعدد من عناصر نفس الجماعة الإجتماعية .

      لا تختزن الذاكرة الجماعية ، فحسب ، ماضي الجماعة بل تعبد تركيبه ، بل ابعد من ذلك فهي تعيد عيشه أي تحوّل التاريخ الشخصي مثلما الجمعي إلى تاريخ حي معاش في الحاضر عبر أشيائه وفضاءاته وعبر استعمال الفضاء الخاص والتفاعل معه مثلما عبر الحومة والحي والجيرة والمدينة والأصدقاء والفضاءات المشتركة أو المعطاة للمعية الإجتماعية. إلا أنّ هذا الماضي مثلما الذكريات التي تحتفظ الذاكرة منه، ‘‘لا يكف عن تقديم وسائل ضرورية لإعادة إنتاجها'' [79]. فالمجتمع، يقول هالبوشز ، يتضمّن بصفة مستمرة في تفكيره الأطر الإجتماعية لذاكرته التي تستحيل كل ظاهرة أو شخصية تنفذ إليها ، مقولة ومعلومة ورمز وبالتالي تتخذ معنى ضمنها.  وهو يميز بين الذاكرة الجماعية والتاريخ الذي لا يمكن أن يمثل كل الماضي بل، في الواقع، بعض منه. غير انه يوجد ، إلى جانب هذا التاريخ المدوّن للجماعة ، تاريخ يتجدّد بإستمرار بشكل يسمح له بالدوام خارج هذه الجماعة الإجتماعية . تتقيّد ديمومة الذاكرة بشرط ديمومة الجماعة نفسها آو تواصل شواهد نصبية تحيل إليها وتستفزّ فعل التذكّر وحضور الماضي ضمن المعاش اليومي وبالأخص، في نظرنا،في حركة الجسد الرمزية ضمن الفضاء أفقيا وعموديا والاستعمال الذي يستدعي فهمه دعوة المخيال والذاكرة مثلما الرمز في وظيفته التواصلية كما تنعكس في الفهم الغورفيتشي بالذات [80] .

      إذا كان التاريخ واحد لدى المؤرّخ فإنّ لكل جماعة تاريخ ولكل ذاكرة جماعية ، جماعة محدّدة في الفضاء والزمن وعليه فإنّ الظواهر والأحداث مثلما الفضاءات والأمكنة التي تحيى ضمنها الجماعة وكل الحقب لا تدرك لنفس الكيفية ولا تسند نفس الأهمية . من هنا يتحدث هالبوشز عن ذاكرة جماعية وهو ما يشكل تمييزا آخر يقيمه بين الذاكرة الجماعية والتاريخ .

     تتميز الذاكرة الجماعية عن التاريخية بكونها لا تحتفظ ولا تختزن من الماضي إلا التماثلات.فكل جماعة تشعر حينما تستحضر تجسدا لما فيها أي تاريخها الخاص، '' أنّها هي وتعني بذلك هويتها رغم أن إعادة عيش الأحوال هو أيضا طريقة للعب مع خطر ضياعها '' [81].

       لا يجوز الحديث عن ذاكرة جماعية نموذجية يتماثل مضمونها كليا لدى كل العناصر المكونة للجماعة الإجتماعية ، بما أن هالبوشز نفسه يعتبر أنّ ذكرياتنا الطفولية منقوصة ومشوشة وان ذاكرة الفرد تتأثر، فيما تتضمنه من ذكريات حولها ومن حوله ، بعوامل عديدة يضعها أمام ذاكرات فردية لنفس الفضاء المعاش في الماضي أي التجربة الفضائية التي تختزنها ذاكرة الفرد . فكل شاغل لفضاء يتحرك ضمنه في إطار خاص جدا يستجيب لإهتماماته وعلاقاته وموقفه من هذا الفضاء ذاته.

      يحتكم كل فرد على''جغرافيا شخصية لا تتوافق مع الوسط الجغرافي الفعلي'' [82] ولو أنّ هالبوشز يرى أن ذكرياتنا وبالتالي ذاكرتنا '' تتجدد وتكتمل'' [83]، بفعل الصور والوضعيات الجدية التي يتواجد ضمنها الفرد ونتاجا، حسب الزاوية التي يتعامل منها مع ذكريات الماضي المعاش بكيفيات مختلفة وبالتالي بدرجات متفاوتة من الخزن والتصور والتمثّل لذاته ولما حوله . لا ينفي ذلك، الحديث عن ذاكرة الماضي المشترك. لكن يجب أن يتجاوز مدلولها مجرّد كونها كمية الذكريات المعينة للماضي المشترك. بل إن الذكريات المتشابهة والمتعددة التي تحكي الماضي بنفس الكيفية تكشف عن وحدة التصوّر والتمثّل والمضمون القيمي والمعاييري والرمزي في نظرنا فعاليتها وحيويتها بحضور شواهد من هذا الماضي لنفس الجماعة كالأشخاص النصبية أو الأشياء فحسب بل أنّ الفرد يتجه قصديا أو لا قصديا إلى الاحتفاظ ضمن فضائه الخاص – المنزل – الخفي منه أكثر منه الظاهر ، بأشياء توصله بالماضي وتديمه في الحاضر مثلما أنّه يحتفظ بما يتشابه أو يعتقد انه يتماثل مع ما يشكّل شاهدا حيّا على ماض لا يريده أن يستمر فحسب بل أنّ هذا الذي كان يتواصل عبره ، عبر ديمومة سلوكيات وتصورات واستعمالات الأفراد للفضاء اليومي المعاش / الماضي . ويتواصل هذا المعاش بأساليب متعددة تشكل إحدى أهم  غايات البحث تقصيها من خلال نموذج الحفصية من المدينة التاريخية القديمة عبر التحليل السوسيو مورفولوجي للفضاء المديني .



6 – الرمزية الإجتماعية : المفهوم والوظائف

           تتجسّد إحدى خصائص الظاهرة الإجتماعية في تمظهرها الرمزية [84]. ويعتبر دوركايم ذاته أنّ '' المجتمع هو ذو جوهر رمزي'' [85]. فالفعل الإجتماعي ''يسبح كليا وبصفة دائمة ضمن الرمزية '' [86]. يستدعى الرمز أو البعد الرمزي لظاهرة الإجتماعية لتعيين المظاهر الأكثر تعدّدا للحياة الإجتماعية نفسها. ثم إن اغلب التمظهرات الإجتماعية، لدى غورفيتش، كالطقوس والعادات والممارسات وحتى التمثّلات الجماعية والحالات الذهنية الأخرى تتعلق هي أيضا بالرمزية أو تفرض على الفهم استدعاء المعطى الرمزي. إلاّ أنّ الحقل الرمزي هو''بالأساس غامض ولهذا السبب ذاته هو بالأساس اجتماعي وإنساني '' [87]. وتشكّل الرموز والعلامات المشتركة ، لدى مارسال موس، الواسطة الضرورية لتقارب وتواصل الناس داخل مجتمع ما والوسيلة اليتيمة، لدى دوركايم، لإنتشار الوعي والتواصل فيما بين متعدد وعي الأفراد. تضفي هذه الرمزية على الفعل الإنساني والاجتماعي، لدى غي روشاي،طابع الإجتماعي ، بما أنّها تشكّل المكوّن الرئيس له وإحدى أسسه المحورية. يعرّف غورفيتش الرمز الإجتماعي بإعتباره علامة على شيء معين وهي في ذات الوقت أداة مشاركة أو انخراط وبالتالي الجمعنة. والرمز في مدلوله المرجعي في المعجمية اليونانية يعني'' نصف كل قادر على تجسيد المجموع" [88].  وهو يعني " شيء ما يحتلّ مكان شيء آخر " أو شيء ما يعوض ويستدعي شيء ما آخر" [89] ويتطلب الرمز دالا وهو الشيء الذي يحتلّ مكان شيء آخر ومدلولا أي الشيء الذي يحلّ الدال محلّه ودلالة وهي العلاقة بين العنصرين الأولين.هذه العلاقة معطاة لتأويل الأعوان الذين تتجه إليهم الرموز مثلما الذين يشكلونها [90]. إلاّ أنّ الرموز الإجتماعية متعلقة كعلامات''لا تجسّد إلاّ جزئيا المضامين المدلولة'' [91] لدى غورفيتش . وهي, في الواقع تقنّع الأشياء التي تستدعيها وتدلّ عليها، بما أنها لا تكشفها " لا بالضبط ولا كليا "[92]. يبدو المجال الرمزي كمعطى يسجل حضوره في كل تناول للحياة الإجتماعية،إلا أن الأكيد والمعلوم هو تباين المقاربات السوسيولوجية في الخاصيات التي تسندها للرمزية الإجتماعية مثلما من زاوية تصورها لإشتغالها ووظائفها ونماذج تأثيرها على الحياة الإجتماعية، حيث يكشف علم الاجتماع الفرنسي الكلاسيكي عن ثلاثة أطروحات حول الرمزية الإجتماعية,  تشكل الرمزية الإجتماعية ضمن الأطروحة الأولى نظام ظواهر يحصل تناولها موضوعيا في معنى كونها تؤسس وحدة أو رابطة فعلية بين أعضاء المجتمع أو الجماعات .وليس بالإمكان ، ضمن الأطروحة الثانية أن يتشكّل ويستمر أي مجتمع إلاّ عبر تشكّله هو ذاته كرابطة رمزية .

      تقرن، الأطروحة الثالثة في السوسيولوجيا الفرنسية الكلاسيكية ، بين الرمزية الإجتماعية وعملية التواصل أي أنّها تسند للرمزية وظيفة تواصلية وبالتالي فهي تختلف حسب شكل ومضمون عملية التواصل نفسها . ويستدعى، ضمن هذه الأطروحة، ضرورة : هربارت ميد الذي يعتبر أنّ الرموز" تشكل الأسس الوحيدة الممكنة للمجتمع " [93] لكونها تماهي في تصوّره مفهومه للآخر المعمّم الذي هو نتاج عملية تواصل بين الأفراد أي بين الذات والآخر . فالرموز هي الوسيط الذي عبره " يفهم عديد الأفراد بعضهم ويتواصلون فيما بينهم " [94]،على أنّ التواصل في مفهومه له يعني ذلك التفاعل الإجتماعي الذي هو العملية التي عبرها يستطيع كل فرد أن يتموقع موضع الطرف الآخر في التواصل . فالذوات تحلّ في دور الآخر وبالمثل هذا الآخر .

       يقتضي التفاعل ، إذا ، الفهم المتبادل أو تبادل الفهم بين المتفاعلين في وضعية تواصل ، على أنّ هذا الفهم المتبادل بين الأنا والآخر يستند إلى انتظارات متبادلة يسعى الفاعلون عبرها إلى تحديد وضعياتهم المتبادلة . فالتفاعل ،إذا ، يصبح في مفهوم هربارت ميد " مجموع استراتيجيات تتوافق عبرها الأنا والآخر، الواحدة مع الأخرى " [95]. هذا التوافق هو رمزيّ بالأساس ويستدعي من الفاعلين وسائل ومصادر معيّنة لتجسيد تلك الإستراتيجيات. وتتجاوز الرمزية الفرويدية رمزية دوركايم لكونها استعاضة وتقنيع ، من هنا فإنّ الصور الحلمية ترمّز الرغبة المكبوتة . وهي حين تشبع هذه الرغبات فذلك يتمّ عبر الاستعارة أي أنّها لتعبّر عنها فهي تقنّعها أي تعرضها رمزيا. فالرغبات التي تكيتها وتردّها الضوابط أو الموانع خارج حقل الوعي، لا ترتدّ إلى الوعي ضمن الحلم إلاّ عبر الاستعارة.       

      يظل هذا التعقّل للرمزية وفيّا لفردوية المقاربة النفسية الفرويدية ، لذلك فهي تتغاضى كليّا عن المظهر الموضوعي والإدراكي للرمزية مجال اهتمام الدوركايمية التي تقف عند الوظيفة التواصلية للرمزية الإجتماعية . وتعتبر الرمزية الدوركايمية الرموز بمثابة الجسر الضروري لتعميم متعدّد الوعي الجماعي. فكل وعي فردي ينكشف في تصورها وعيا مغلقا على الآخر وبالتالي يقتضي التواصل بين متعدد الوعي الفردي علامات ورموز ، بل ابعد من ذلك فإنّ دوركايم مثلما ميد و مارسال قاربيال ، يختزل كل تمظهرات الإجتماعي في الرمزي . فالحياة الإجتماعية " في كل مظاهرها وفي كل فترة من تاريخها ليست ممكنة إلاّ بفضل رمزية واسعة " [96] والرمزية في مفهمته لها تتعدى كونها حيلة أو قناع لتمثّل أداة تسمح للتحليل بإبراز كل ما يتجاوز متعدد الوعي الفردي ، ضمن الظواهر الإجتماعية . ولعلنا لا نلامس الخطأ حينما نساير مافيزولي في فهمه لمعنى الرمز لدى الدوركايمية ، على أنّه " سبب وأثر كل حياة مجتمعية " [97] . 

      تغطي الرمزية ، لدى غورفيتش ، أغلب الأصعدة المتناضدة للواقع الإجتماعي على غرار معظم تمظهرات الإجتماعي مثل التنظيمات والنماذج والعادات والممارسات والتمثلات الجماعية والحالات الذهنية مقلما مختلف تمظهرات ظواهر الحضارة كاللغة والدين والقانون والمعرفة . وتضع الرموز الإجتماعية في الاعتبار المواقف الجماعية للذوات الباثّة أي المشكّلة لها والمتقبّلة أو المؤوّلة لها . 

     تتأسّس المقاربة الغورفيتشية للمجال الرمزي على معارضة كل المقولات التي تختزل أسس الواقع الإجتماعي في التواصل ما بين ذهني أو ضمن الصلة بين متعدّد الوعي المغلقة. فأيّ تواصل إنساني يستمدّ إمكانيته من تضمّنه الضروري لوحدة سابقة تجعل الوسائط الاتصالية فعّالة ، أي العلامات والرموز التي عبرها تتواصل . فالرموز لا تسجّل حضورها بنفس الكيفية والحجم في كل تمظهرات الإجتماعي مثلما تصرّ على ذلك الدوركايمية . فقد يكون دور الرمزية في مظهر ما مختصرا وغائبا في مستوى بعض تمظهرات علاقات الذات مع الآخر مثل الصداقة والحبّ . وفي بعض الأصعدة الإجتماعية تكون الرمزية موضوع تعالي . فالرمزية الغورفيتشية ترفض منطق المغالاة في حشر أو الدافع بالرمزية في أي مجال أو حقل اجتماعي معطى للتفسير السوسيولوجي مثلما ترفض الرمزوية أي المذهب المغالي في ردّ كل الواقع الإجتماعي بمختلف تمظهراته إلى الرمز أو الرمزية . معنى ذلك أن الرمزية الإجتماعية ، لا تجسّد لديه ، سوى صعيد من بين متعدّد أصعدة الواقع الإجتماعي ، يستدعي من التحليل أن يعطيها أهميتها في التفسير لكن على أن يتناولها في الآن ذاته " كنوع من اسمنت اجتماعي سائل وكلي الوجود ، يتسرّب في كل مكان لرتق الشروخ وحيد المستويات" [98] . فالرموز الإجتماعية بها التأويل المفاهيمي تنعكس كوسيط تحتفظ عبره الأصعدة المتناضدة للواقع الإجتماعي بإرتباطها بعضها ببعض وتنافذها المتبادل .      

      ينتبه غورفيتش إلى ضرورة أن يجتهد الباحث في التمييز بين أنواع الرموز التي يحصرها في ثلاثة أنواع : فهناك دائما رموزا مثل الشعارات والأحكام المسبقة ، مضلّلة بصفة واعية. وفي مقابل الرموز التضليلية يوجد رموزا هزئية لا وعيا. كما توجد كذلك رموزا لا يخفي تشكيلها أي قصد تضليلي خفيّ أو ضمنيّ وهي الرموز التي يسند لها غورفيتش الدور الرئيسي في الواقع الإجتماعي ويوصلها بمختلف مظاهر الحضارة كالقانون والدين والفنّ والمعرفة واللغة .ولا تعمل الخاصية الوسائطية أو التوسطية للرموز الإجتماعية بنفس الكيفية ، بل أن هذه الخاصية هي التي تجعلها متغايرة بالنظر إلى جملة من المعطيات . فهي تختلف بالنظر إلى الذوات الجماعية الباثّة لها أي المشكّلة لها وبالنظر أيضا للمتلقّين . فنفس" الرمز ونفس الكلمة لا تستدعي نفس مظاهر شيء ما لدى أشخاص مختلفين " [99].

      تتغاير الرموز الإجتماعية حسب تباين الأطر الإجتماعية أي حسب نمط المجتمع أو التجمّعات الخصوصية مثلما أنماط البنى الإجتماعية : جزئية كانت أم كلية . ولا تتباين الرموز بإعتبارها وسائط بالنظر للأطر والبنى الإجتماعية فحسب بل أيضا حسب الحالات الإجتماعية الخصوصية . فهي تختلف عن الأزمنة الهادئة عنها في الأزمنة المضطربة والحالات أو الظروف الدافعة أو على العكس الرافضة للتغيير. وتعترض الرموز وضعيات وحواجز تتجّه إلى تجاوزها والتحكّم فيها . من هنا أيضا يبدو مستوى إضافيا لتغيّر الرموز حسب هذه الحواجز وهذه الوضعيات . إلا أنّ الرموز الإجتماعية تتغاير تباعا لتبدّل العلاقات القائمة بين الرموز والمرمّز إليه تبعا لمعطيات عديدة أخرى [100]. يصنّف جورج غورفيتش الرمزية إلى ثلاثة أصناف . يتعلّق الصنف الأوّل من الرموز بالحقل الوجداني مثلما نجد ذلك لدى كل من بيار جانيي و وايتهيد. لا تقترن هذه الرموز، بالضرورة، بالخيال الذي يلحق عادة بالعاطفة مثلما ينعكس ذلك في التمييز الباريتي بين الفعل المنطقي وغير المنطقي والتصنيفات التي يوجدها ، كما يذهب لذلك آرنولد . ويرفض غورفيتش المطابقة التي يضعها سورال بين الرمزية والأساطير المعاصرة. فيمكن إذا أن تغلب على الرموز الخاصية الإنفعالية مثل الرقصات والأغاني وطرق التعبير الفردي أو الجماعي عن الإعجاب بالأشياء أو الأشخاص. أمّا الصنف الثاني من الرموز فتغلب ضمنها خاصية النشاط والإرادة وهو ما يشكّل تميّزها ويسند لها وظيفة علامات ، تحفيز ، دفع ، قيادة ، الخ . وإذا نظرنا إلى التمثّلات سواء الفردية منها أو الجماعية، فإنّ الرموز الإجتماعية المتعلّقة بها تغلب عليها الصفة الذهنية .    

        لا يمثّل التصنيف الغورفيتشي للرمزية دعوة إلى تصنيف للتمظهرات الإجتماعية موازي بقدر ما هو جلب إنتباه إلى مقولة تعددية الوظيفة الرمزية بدل انحصار التحليل في الحديث عن رموز تتعلّق بمظاهر مختلفة من العقلية. فالرمزية، لدى غورفيتش ، هي أكثر العناصر ارتباطا في الآن ذاته بالظواهر الإجتماعية الكلية والظواهر النفسية الكلية ، لكن مع ضرورة إعتبار أولوية الإجتماعي عن النفسي .

      تحيلنا مقولة تعددية الوظيفة الرمزية إلى استدعاء الوظائف التي تؤديها الرموز بالنظر إلى الفعل الإجتماعي. وتؤدي الرموز الإجتماعية وظائف يمكن حصرها في وظيفتين أساسيتين تعرضنا لهما بصفة متفرقة مع دوركايم و ميد و موس وهما التواصل والمشاركة. يتمّ ضمن التفاعل الذي هو التواصل في تعريف ميد ، تبادل الوسائل بين الذوات في وضعية تواصل أي تفاعل. وإذا كانت اللغة تتضمّن رؤية للعالم وإدراك وتصوّر الفاعلين لما يحيط بهم ولأنفسهم ولمكانتهم ، فإنّ الرمزية لا تنقل مجرّد رسائل بل رؤى وتصورات وتمثّلات الذوات المتواصلة فيما بينها توصل الرموز الإجتماعية عبر وسائل اتصال متعدّدة بين الفاعلين الإجتماعيين .تلعب الرمزية وظيفة مشاركة من حيث أنّها تذكر وتصون مشاعر اشتراك وتأكيد انخراط الذوات في جماعة بعينها . فإنخراط فعل الذات في القيم وأشكالها الرمزية أي نماذج الفعل يرمز إلى انتماء هذه الذات إلى جماعة معيّنة . يميّز غي روشاي ، ضمن هذه الوظيفة، أربعة أشكال للرموز.فالأعلام والشعارات والأغاني والرقصات والألوان المميّزة هي رموز تعنون وتميّز جماعة اجتماعية عن غيرها مثلما أنّها تثير أو تصون شعور الانتماء أو كرابط بين أعضاء الجماعة ، كما انتهى إلى ذلك تراسهار في دراسته حول عصابات الإجرام في شيكاغو. وتجسّد الرموز، في جانب آخر، التراتب الإجتماعي وتصاحبه لترمز لمتعدد الشرائح والطبقات الإجتماعية . فالألوان واللباس والترفيه واللهجات وحركة الجسد في الفضاء الداخلي مثلما المشترك داخل الحي وهذا الحي نفسه ونمط السكن تؤدي كلّها دور مؤشّرات ورموز الموقع الذي تحتلّه وتشغله الجماعة ضمن التنظيم الإجتماعي . فاليومي بكل تمظهراته المتعدّدة السلوكية والتواصلية مع الآخر ومع الفضاء يتموضع موضع الرمز الذي يحيلنا لا فحسب إلى موقع الفرد أو الجماعة ، بل أيضا تستفزّ وتثير تمظهرات اليومي الذاكرة الجماعية أي أنها توصل الماضي بالحاضر: توجد الماضي في صلب الحاضر كما ينعكس في المعاش اليومي بكل جزئياته وتفاصيله حتى البسيطة جدّا والتافهة أو حتى المبتذلة منها. إنّ ما يحتفظ به شاغلي الفضاء المديني من أشياء في ركن المنزل أو سطحه أو شرفته لا يستجيب لمقتضيات اليومي المديني بل يعود إلى سلوكات وعادات توصل بالماضي الفضائي الريفي تسجّل حضورها ضمن المجال اليومي لحركة الجسد كنصب أو آثار تذكارية أي رموز تستدعي الذاكرة الفردية مثلما الجماعية. فهي رموز يتواصل عبرها الفاعلين مع ماضي يريدونه حاضرا في ذاكرتهم،حيّا في حاضرهم بمختلف تمظهراته الذهنية والفضائية كما الممارسة اليومية. ترمز هذه النصب، إذا، في ذات الوقت إلى الماضي مثلما إلى شريحة أو موقع الجماعة ضمن المجتمع المديني. 

      تبدو الرمزية الإجتماعية،إذا ، رغم اختلاف زوايا البحث ضمنها بين اتجاهات علم الاجتماع ، في صلب اهتمام التحليل الذي يهدف إلى تعقّل وفهم أعمق للواقع الإجتماعي . فكما أنّ موس و دوركايم يعتبران الرمزية جوهر الإجتماعي وأن كل تمظهرات الإجتماعية تردّ إلى الرمزية التي تسمح لمتعدّد الرعي الفردي مثلما الجماعي بالفهم المتبادل والتواصل. وللرمزية مثلما يذهب لذلك هربارت ميد وظيفة تواصلية ووصلية. فالتواصل الذي هو التفاعل لديه يستدعي وسائط هي الرموز التي تتواصل عبرها الأنا مع الآخر ومن هنا جاءت تسمية هذا الاتجاه بالتفاعلية الرمزية.

    إنّ محورية الرمزية في مقاربة الإجتماعي لا يجب في مدلولها الغورفيتشي أن تعيد إنتاج المغالاة . فالرمزية تغطي لا كلّ بل معظم الأصعدة المتراتبة للواقع الإجتماعي وتمظهراته وظواهر الحضارة ، إلاّ أنّه على التحليل السوسيولوجي أن لا ينغلق على موضوع بحثه . ذلك أنّ الرموز إضافة لكونها لا تنسحب على كل أصعدة وتمظهرات الإجتماعي فإنّ حضورها لا يسجّل بنفس الكيفية والحجم . والرمزية ليست ذات صفة أو خاصية أحادية غالبة سواء وجدانية أو المتعلّقة بالنشاط والإرادة أو العقل،بل أننا أمام أصناف ثلاثة للرمزية قد تسجّل حضورها مجتمعة أو منفردة في إحدى أو متعدّد تمظهرات الإجتماعي.إنّ أبرز ما يحسب لغورفيتش في مجال الرمزية هو تنبيهه إلى تعقّل دينامي لا مغالي ولا اختزالي وينظر إلى الرمزية نظرة تتجاوز الثباتية إلى استدعاء مفهوم التغاير أو التباين. فالرموز تتباين حسب الذوات الجماعية الباثّة أو المتقبّلة وبالنظر إلى تغاير الأطر وأنماط المجتمعات مثلما أنماط البنى الإجتماعية وحسب الوضعيات الإجتماعية. إنّ الرمزية حقل يضعنا أمام عمق الظاهرة أو الظواهر الإجتماعية . فالمشغول والموظّف والمستخدم أو المتروك من الأشياء هي رموز تحيلنا لا فحسب إلى مكانة الجماعة ضمن التنظيم الإجتماعي بل إلى الذاكرة الجماعية التي توصل الحاضر بالماضي بأشكال متعدّدة ورمزية تحيلنا إلى مفهوم التقنّع وبالتالي مسرحة اليومي لدى مافيزولي . وتجعل الرمزية الحاضر الذي توصله بالماضي، حيّا متواجد ضمن المعاش. تحول  المنزل إلى متحف اجتماعي لا يحكي الآن وهنا فحسب بل الذي كان ولم ينجح الآن في إقصائه أو صنع القطيعة النهائية معه . فالألوان والروائح المنبعثة من المنازل وحتى الفواضل المنزلية يقول لوفافر ـ تحيلنا إلى الداخل ، إلى العائلة ، إلى عاداتها وسلوكاتها الغذائية التي تكشف مستواها الاقتصادي مثلما مرجعيتها الثقافية. فالسلوك الغذائي مثلما الفضائي لا يستجيب دائما للتحديدات الاقتصادية وبالتالي التفسير المادي بقدر ما هو ثقافي يتغاير من جماعة إلى أخرى [101] وينعكس على معمار وتوزيع الفضاء الخاص وبالأخص التواصل معه : الخاص والمشترك من الفضاء المديني الذي يكشف في المدينة العربية الإسلامية عن تداخل التقليدي والحديث [102] وتداخل الأزمنة  في الفضاء يقرأ من معماره [103] مثلما في حركة الجسد داخل وعبر الفضاءات المدينية كالحمّام والمسجد والسوق والزاوية والجامع ووسط الدار [104] .

















المراجع



Aron (Raymond.) , Boudon (Raymond.) , Ansart , La Sociologie , éd Larousse , 1978 .

Bouchrara Zanned(T.), La Ville Mémoire , paris méridiens klinck sieck,1994 .

Bouchrara Zanned (T.), Symboliques Corporelles Et espaces Musulmans, Cérès productions, 1984.

Bouchrara Zanned (Traki.) , Une Ville Et Son Double , éd MTE , 1995 .

Bouchrara Zanned (Traki) : Essai D’analyse Socio – Morphologique, La Relation entre Les Pratiques corporelles Féminines et le cadre urbain a Tunis, Thèse 3° cycle.

Durand (Gilbert.), Les structures Anthropologiques De L’Imaginaire, bordos, 1969, Liv III, Ch. II.

Durant (Gilbert.) , La Sociologie , éd Gerand et c , TII , 1972 .

Durkheim (E.) , Les formes de la vie Religieuse , paris Puf , 1968 .

Duvignaud (jean.), Anthologie Des Sociologues, Français, PARIS, 1994.

Ferrier (J. P.), Sémiotique De L’espace, paris Denoël gouthier, 1979.

Feurier (C. H.), Le Nouveau Monde Amoureux, pref, denout, éd Anthropos.  

Gurvitch (Georges.), La vocation actuelle de la sociologie, paris PUF, 1957, T1.

Grawitz (Madeleine.) , Méthodes des Sciences Sociales , éd Dalloz , 1979 .

Halbwachs (M.), La Mémoire Collective, paris puf, 1950.

Halbwachs (M.), les cadres sociaux de La Mémoire, paris puf, 1952.

Herpin (N.), Les Sociologues Américains Et Le Siècle, paris puf, 1973.   

Horacio (Capel.) , L’image De La Ville Et Le Comportement Spatial Des Citadins , Dans Per , L’espace géographique N° 1 / 1975 , Jan – Mars .

Jeudy (H. P.) , Mémoires Du Social , paris puf , 1986 .

Ledrut (R.), Sociologie Urbaine, paris puf, 1968.

Lefebvre (Henri.), Critique de la vie quotidienne, paris crasset – l’arche, 1958.

Lefebvre (Henri.) , Espaces Et Sociétés , N°2 / Mars 1971 .

Lefebvre (Henri.), La Production de L’espace, éd anthropos, 1974.

Maffesoli (M.) , Logique De La Domination , paris puf , 1976.

Maffesoli (Michel.), La Conquête Du Présent, paris puf, 1979.

Maffesoli (M..), L’Ombre de Dionysos, paris Librairie des Méridiens, 1985.

Mauss (Marcel.), sociologie et anthropologie, paris puf, 1968.

Merlin (P.), Choay (F), Dictionnaire de L’urbanisme et de L’aménagement, paris puf, 1988.

Noureau (J. J.) , Tessier (R.) , Tremblay (M. b) , Changement Planifié Et évolution Spontanée , presse de l’université du Québec .

Pailhous (Jean.) ,La Représentation De L’espace Urbain , paris puf , 1970 .

Phara (P.) , Quéré (L.) , Les Formes De L’action , éd EHESS , 1990 .

Périodique, L’èspace géographique, Art / L’image de le ville et le comportement spatial des citadins, Par, Horacio Capel. nْ 1975, Jan – mars.

périodique, L’espace géographique, N 1 / 1975 janvier-mars – avril, L’image de la ville et le comportement Spatial des citadins, par Horacio Capel.

Revue, L’espace Géographique, N°3 / 1985 ; T 14, Art, L’Humaniste Et Les Acteurs De l’Urbain.

Riboulet (P.), Périodiques Espaces et Sociétés, mars 1971, N°2.

Rocher (Guy.), Introduction à La Sociologie Générale, T3, Le Changement Social, les points, 1968.

Rocher (Guy.), L’action social, éd HMH, 1968. 

Sumph (J.), Hugues (M), Dictionnaire de la sociologie, paris Larousse, 1973.



[1] ـ مثل بحوث ,أعمال كلّ من مافيزولي ولوفافر وادوارد هال



[2] - Merlin (P.), Choay (F), Dictionnaire de L’urbanisme et de L’aménagement, paris puf, 1988, p. 268.

[3] - Lefebvre (Henri.), La Production de L’espace, éd anthropos, 1974, p. 7.

[4] - Merlin (P.), Choay (F.), op cit, p. 268.



[5] - Lefebvre (Henri.), op cit, p. 14.

[6].Ferrier (J. P.), Sémiotique De L’espace, paris Denoël gouthier, 1979, p. 200.

[7] - Ibid, p.213.

[8] -Ibid, p. 193.

[9] -Ibid, p. 193.

[10]-Ledrut (R.), Sociologie Urbaine, paris puf, 1968, p. 55.

[11]-Bouchrara Zanned (T.), Symboliques Corporelles Et espaces Musulmans, Cérès productions, 1984, pp.122 – 131.





[12]ـ يحدّد فايري ثلاثة كيفيات لتعريف معنى الفضائي : عبر وظيفة الاستعمال أو عبر المعنى اللّفاظي أي الدلالة التي تعطيها لعلامات معيّنة لها وجه دالّ معيّن أو عبر القوّة التعبيريّة للفضاء.

[13]- Ferrier (J. P.) , Sémiotique De L’espace , paris Denoël gouthier , 1979 , p. 199 .

[14]- Lefebvre (Henri.), Critique de la vie quotidienne, paris crasset – l’arche, 1958, pp. 45 – 50.

[15]-Maffesoli (M.) , Logique De La Domination , paris puf , 1976, pp. 80 – 82.

[16]-Pailhous (Jean.) ,La Représentation De L’espace Urbain , paris puf , 1970 , p.10 – 13.

[17]-Bouchrara Zanned(T.), La Ville Mémoire , paris méridiens klinck sieck,1994, p. 120 .

[18]-Horacio (Capel.) , L’image De La Ville Et Le Comportement Spatial Des Citadins , Dans Per , L’espace géographique N° 1 / 1975 , Jan – Mars , p. 77.

[19]- Ibid, p. 77.

[20]-Revue, L’espace Géographique, N°3 / 1985 ; T 14, Art, L’Humaniste Et Les Acteurs De l’Urbain, p. 191.

[21] - Lefebvre (Henri.), La production De L’espace, éd anthropos, 1974, p. 48.

[22] - Ibid, p 49.

[23]- Ibid, p 48.

[24]- Lefebvre (Henri.) , Espaces Et Sociétés , N°2 / Mars 1971 , p. 4.

[25]-Noureau (J. J.) , Tessier (R.) , Tremblay (M. b) , Changement Planifié Et évolution Spontanée , presse de l’université du Québec , 1991 , T6 , p. 316 .

[26] - Ibid, p 316.



[27]- Rocher (Guy.), Introduction à La Sociologie Générale, T3, Le Changement Social, les points, 1968, p. 17.

[28]- Rocher (Guy.), op cit, p.  23.

[29]-Tessier (R.), Tellier (Y.), Op  Cit, p. 328.

[30] - Tessier (R.), Tellier (Y.), Op  Cit, p. 72.

[31]- Ledrut (Raymond.), Sociologie Urbaine, paris puf, 1968, p. 25.



[32]ـ أنظر شرح هذه الأنماط الأربعة لاستراتيجيات التغيّر القصدي حسب تيسياي وتيلياي ضمن عنوان استراتيجيات التغير .

[33] - Tessier (R.), Tellier (Y.), Op  Cit, pp. 44 - 45.

[34]- Ledrut (Raymond.), Sociologie Urbaine, paris puf, 1968, p. 23.

                                                          

[35]- Ibid, p. 22.

[36]- Durand (Gilbert.), Les structures Anthropologiques De L’Imaginaire, bordos, 1969, Liv III, Ch. II, p. 461.

[37] - Maffesoli (Michel.), La Conquête Du Présent, paris puf, 1979, p. 176.

[38]-Bouchrara Zanned(T.), La Ville Mémoire, paris méridiens klinck sieck, 1994, p. 76.

[39]- Maffesoli (Michel.), op  cit, p. 60.

[40] - Bouhdiba (H. W.), op cit, p. 18.

[41] - Tessier (R.), Tellier (Y.), Op  Cit, p. 68.

[42] -Hogue (J. P.), Lévesque (M.), Morin (E. M.) , op cit , p. 62.

[43] - Ledrut (Raymond.), Sociologie Urbaine, paris puf, 1968, p. 54.

[44] - Ibid, p 55.

[45]-Hogue (J. P.), op cit, p. 62.

[46] - Tessier (R.), Tellier (Y.), Op  Cit, p. 315.

[47] -Ibid, p. XIX.

[48] - Ibid, p. XIX.

[49] -Hogue (J. P.), op cit, p. 64.

[50] - Ledrut (Raymond.), Sociologie Urbaine, paris puf, 1968, p. 21.

[51] -Ibid   ,p. 21.

[52] - Ibid   ,p. 21.

[53] - Ibid   ,p. 24.

[54]- Ibid   ,p. 24.  

[55] - Ibid   ,p. 24.

[56] - Ledrut (Raymond.), op cit, p. 22.

[57] - Ibid   , p. 23.

[58]-Herpin (N.), Les Sociologues Américains Et Le Siècle, paris puf, 1973, p. 70.

[59] - Grawitz (Madeleine.) , Méthodes des Sciences Sociales , éd Dalloz , 1979 , p. 152.

[60] - Durant (Gilbert.) , La Sociologie , éd Gerand et c , TII , 1972 , p .269.

[61] - Aron (Raymond.) , Boudon (Raymond.) , Ansart , La Sociologie , éd Larousse , 1978 , p. 107.

[62] -Phara (P.) , Quéré (L.) , Les Formes De L’action , éd EHESS , 1990 , p. 20.



[63] -Bouchrara zanned (Traki.) , Une Ville Et Son Double , ed MTE , 1995 , p. 20.

[64]-Jeudy (H. P.) , Mémoires Du Social , paris puf , 1986 , p. 9.



[65] ـ انظر في هذا المجال الباب الثاني: الفصل الثالث.

[66] - Duvignaud (jean.), Anthologie Des Sociologues, Français, PARIS, 1994, P. 23.

[67] -Bouchrara zanned (Traki) : Essai D’analyse Socio – Morphologique, La Relation entre Les Pratiques corporelles Féminines et le cadre urbain a Tunis, Thèse 3° cycle, p.  . 38

[68] -Jeudy (H. P.) , Mémoires Du Social , paris puf , 1986 , p. 9.

[69]- Ibid , P. 35.



[70] -Périodique, L’èspace géographique, Art / L’image de le ville et le comportement spatial des citadins, Par, Horacio Capel. nْ 1975, Jan – mars, p. 76.

[71] - Lefebvre (Henri.), La Production De L’espace, éd Anthropos, 1974, P. 44.

[72] -Féurier (C. H.), Le Nouveau Monde Amoureux, pref, denout, éd Anthropos, P. XIIV.  

[73] -Féurier (C. H.), op cit, p. IXX.

[74] -Halbwachs (M.), La Mémoire Collective, paris puf, 1950, p. 2     .

[75] - Ibid, p. 53.  

[76] - Ibid., p. 70.

[77] -Jeudy (H. P.), op cit, p. 64.

[78] -Halbwachs (M.) , les cadres sociaux de La Mémoire , paris puf , 1952 , p. VI.  

[79] - Ibid., p. 290.

[80] انظر الصفحات الموالية.

[81]- Jeudy (H. P.), op cit, p. 66 .

[82] – périodique, L’espace géographique, N 1 / 1975 janvier-mars – avril, L’image de la ville et le comportement Spatial des citadins, par Horacio Capel, p. 74.

[83]- Halbwachs (M.), les cadres sociaux de La Mémoire, paris puf, 1952, p. 62.

[84] - Mauss (Marcel.), sociologie et anthropologie, paris puf, 1968, p.71.

[85] -sumph (J.), Hugues (M), Dictionnaire de la sociologie, paris Larousse, 1973, p. 120.

[86] - Rocher (Guy.), L’action social, od HMH, 1968, p. 88.

[87] - Gurvitch (Georges.), La vocation actuelle de la sociologie, paris PUF, 1957, T1, p. 93.

[88] -Ibid, p. 92.

[89] - Rocher (Guy.), Op cit, p .88.

[90] - Gurvitch (Georges.), Op cit, p .93.

[91] -ibid, p. 93.

[92] - Rocher (Guy.), Op cit, p. 93.

[93] - Gurvitch (Georges.), Op cit, p .26.

[94]-sumph (J.), Hugues (M.), Op cit, p .135.

[95] -Ibid, p. 67.

[96]-Durkheim (E.) , Les formes de la vie Religieuse , paris Puf , 1968 , p. 331 .

[97] - Maffesoli (M..), L’Ombre de Dionysos, paris Librairie des Méridiens, 1985, p .16.



[98] - Gurvitch (G.), Op cit, p. 90.

[99] -Rocher (Guy.),  Op cit, p. 93.

[100] -Gurvitch (G.), Op cit, p. 95.

[101] -Horacio  )capel( ,op cit, pp. 73 – 80.

[102] -Bouchrara Zanned (T.), La ville mémoire, paris Méridiens Klinck, sieck, 1994, pp .119-125.

[103]-Riboulet (P.), Périodiques Espaces et Sociétés, mars 1971, N°2, p. 193.

[104] - Bouchrara Zanned, symboliques corporelles er espaces musulmans, Cérès, 1984, p. 148.