‏إظهار الرسائل ذات التسميات السوسيولوجيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السوسيولوجيا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 يونيو 2014

مفاهيم سوسيولوجية حديثة 4 – «الاشتمالية» Panopticism

حسني إبراهيم عبد العظيم   

4 – «الاشتمالية»(*) Panopticism

يعد «ميشيل فوكو» بحق المنظر الأهم للجسد في القرن العشرين، حيث كشف «فوكو» من خلال رؤاه ما بعد البنيوية الحضور الشامل للسلطة داخل الصياغات الخطابية Discursive formations المتعلقة بالجسد، إن أهمية الجسد لدى فوكو تصل لدرجة أنه يصف أعماله الفكرية بأنها تشكل «تاريخ أجساد» a History of bodies وترصد الطريقة التي يتم من خلالها استثمار الأجساد مادياً وحيوياً. (Shilling 2001: 445)

لقد كان «فوكو» منشغلاً بفهم كيفية دخول الجسد إلى الخطاب السياسي كتمثيل للسلطة، وكيف تُمارس السلطة على الجسد، في المؤسسات المختلفة كالمدرسة والسجن والمصنع والمستشفى، بحيث يتحول الجسد إلى كائن منضبط Regulated (Turner 2006: 42)


يشير «فوكو» لواحد من أهم النظم الفاعلة في ترويض الجسد وتدجينه وإخضاعه، وهو ما يسميه السلطة التأديبية، ويقصد بها السجن والعقوبات المختلفة كالتعذيب والإعدام، حيث يرى أن السلطة التأديبية تهدف إلى خلق جسد طيع يمكن إخضاعه واستخدامه وتحويله وتحسينه. (دريفوس ورابينوف: 138)

ينبغي الإشارة –بداءة- إلى أن السجون ليست سوى واحد من عدة أمثلة على تكنولوجيا التأديب والمراقبة والعقاب، فوفقاً لفوكو، فإن السجون نفسها، وكذلك مختلف الإصلاحات التي تحاول إقامة نوع مثالي من العقاب، ليست سوى التعبير الواضح عن ممارسات أعم تهدف إلى تأديب الأفراد والجماعات. يقول في كتابه "المراقبة والعقاب" التأديب هو تقنية لا مؤسسة، وهو يشتغل بشكل كثيف وبصورة شبه كلية من قبل المؤسسات (كالمعتقلات والجيش) أو مستخدماً لأغراض محددة في أماكن مؤسسية أخرى (المدرسة المستشفى) يمكن أن تستخدمه سلطات سابقة الوجود (مراقبة الأمراض) أو بعض عناصر الجهاز القضائي للدولة (الشرطة). (دريفوس رابينوف: 138)

يركز «فوكو» في تحليله للسلطة التأديبية على «المشتمل» Panopticon أو بيت التفتيش Inspection house الذي قدمه الفيلسوف والمصلح الاجتماعي الانجليزي «جيرمي بنتام» Jeremy Bentham كتصميم لعدة مؤسسات بما فيها الملاجئ. (Gatrell 2002: 22) فما هو المشتمل ؟

المشتمل هو بناء يتكون من فناء واسع في وسطه برج وعلى أطرافه بناء مقسم إلى طوابق وغرف، لكل غرفة نافذتان، واحدة تسمح للنور أن يدخل الغرفة، والأخرى تواجه البرج الذي يحتوي على نوافذ واسعة تسمح بمراقبة الغرف، وهذه الغرف أشبه بمسارح صغيرة، بحيث يكون كل ممثل على حده، منفرداً تماماً، ومرئياً باستمرار – إن السجين ليس فقط ظاهراً لأعين المراقب، وإنما هو غير ظاهر لمن سواه، منقطع عن كل اتصال بالغرف المجاورة، إنه مادة إعلامية، وليس أبداً عنصراً فاعلاً في الاتصال. (دريفوس رابينوف: 169)

إن المشتمل قائم على مبدأ جعل كل النزلاء عرضة للتفتيش المستمر، أو على الأقل إبهام هؤلاء النزلاء بأنهم خاضعون لمراقبة دائمة، إن المساحات الداخلية الضيقة يفترض أنها تعمل على تحقيق النظام والأمن، وتقضي على الفوضى والشغب داخل المشتمل، ولكنها في الواقع تعمل على قمع الجسد، إن المشتمل يمثل تعبيراً صارماً للمراقبة النظامية، وقد صك «فوكو» مصطلح «الاشتمالية» Panopticism للإشارة إلى كل أشكال الرقابة والتحكم في الجسد. (Gatrell 2002: 22)

لقد رأى «فوكو» في «المشتمل» دمجاً بين السلطة والمعرفة، وتكاملاً بين ضبط الجسد وضبط المكان من خلال تقنية المراقبة، ومكاناً لجعل أجساد الأفراد منتجة ومراقبة أيضاً، ويقرر «فوكو» أنه ليس من الغريب أن بتشابه السجن مع المصنع والمدرسة والثكنة العسكرية Barrack والمستشفى، باعتبار أن كل هذه المؤسسات تعد –بمعنى ما- سجوناً. (Powell & Cook 2001: 6)

بالنسبة لفوكو ليس المشتمل طريقة فعالة وبارعة لمراقبة الأفراد فحسب، إنه أيضاً مختبر لتغييرهم، فمن السهل إجراء تجارب في كل غرفة، ثم ملاحظة وتصنيف النتائج المحصول عليها من البرج، ففي المصانع والمدارس والمستشفيات يكون لدى المراقب متسع من الوقت ليلاحظ الشبكة المرمزة الماثلة أمام ناظريه، والمشتمل بذلك التصميم يجمع بين السلطة والمعرفة ومراقبة الجسد داخل التكنولوجيا التأديبية، إنه نظام يسمح «بموضعة الجسد» في المكان، وبتصنيف الأفراد بالنسبة لبعضهم بعضاً، وبتنظيم التسلسل، وبتهيئة النواة المركزية للسلطة وشبكاتها على نحو فعال، المشتمل هو تكنولوجيا متكيفة ومحايدة لتقسيم الجماعات، ويمكن تطبيق هذه التكنولوجيا حيثما يجب إخضاع الأفراد والجماعات لشبكة تجعلهم منتجين ومراقبين، إن المشتمل يمارس سيطرته على الأجساد جزئياً بفضل الطريقة التي ينظم بها المكان. (دريفوس ورابينوف: 170)

لقد اعتبر «فوكو» أن المشتمل حدثاً مهماً في تاريخ الفكر، حيث استطاع أن يقدم هندسة جديدة تمكن من بلوغ أهداف إصلاحية بأقل تكلفة ممكنة، تم تبنيها في العالم أجمع، أصبح المشتمل معبراً عن عصر التنوير، حيث نشأ لأول مرة فضاء رسمي منظم للتربية والتقويم والتهذيب والحبس والعزل، حيث تم –ولأول مرة أيضاً- الاستغناء عن الأقبية والسراديب القاتمة، والصلبان والمحارق، (التي شاعت في العصور الوسطى) لأن العصر كان عصر النهوض بفكر التنوير، واقتصاد الرأسمالية التي تقتضي حسن التدبير لموارد الدولة واستغلالها بشفافية. (حسن المصدق 2007)

إذا فالمشتمل هو نموذج مثالي للسلطة التأديبية، وأهم خصائصه: قدرته على تنظيم نمو السلطة بطريقة فعالة، وعلى تيسير ممارسة السلطة بكلفة قليلة –يتمشى مع الاقتصاد الرأسمالي- وبعدد محدود من الأفراد، وعلى زيادة مرئية Visibility الخاضعين للمراقبة إلى الحد الأقصى، وعلى إشراك كل من هم على علاقة بجهاز السلطة في عمله، باختصار المشتملية هي المثل الممتاز على طقس دقيق للسلطة يحدد –من خلال طريقة اشتغاله- المكان الذي يمكن أن تعمل فيه تكنولوجيا سياسية للجسد، فالمشتمل يحدد بوضوح الحقوق والواجبات. (دريفوس ورابينوف: 172)

الخلاصة في هذا السياق أن «فوكو» قد أعاد قراءة دور هذه البناية، حيث يرى أن مبدأ المراقبة كان حاضراً في كل الأوقات، وفي كل الجهات، فأينما نولي وجوهنا في المجتمع الحديث نجد عيون الرقيب لا تنام، بحيث أصبحت الرقابة نظاماً اجتماعياً منظماً وعقلانياً، ينفق أدنى التكاليف، ويحصل على أكبر العائدات، أصبحت السلطة تتحكم في كل فضاءات الأفراد، حيث هي حاضرة في كل مكان، وهذا يستدعي تطوير تقنيات مراقبة خاصة بكل فضاء، الأمر الذي يعني أن المجتمع الرأسمالي الحديث هو في واقع الحال مجتمع مراقبة بامتياز. من خلال المشتمل أصبحت المراقبة الاجتماعية غير مرتبطة بحق الحاكم المطلق في نزع الحياة، بل مقترنة بمؤسسة تحافظ على الحياة المدنية، وفي هذا كناية عن أن الأفراد في هذا العصر خولوا للمؤسسات حق تدبير حياتهم، ومن ثم أصبحت عمليات التعذيب وقطع الرؤوس وصلب الأجساد في الساحات العامة عملية غير مقبولة ويشمئز منها عموم الناس والرأي العام، ومن ثم تم استبدال قطع الرؤوس والتمثيل بالأجساد وحرقها بآليات جديدة تتداخل فيها السياسة بالبيولوجيا، الأولى تتحكم في المجال العام والثانية تتحكم في الأجساد. (حسن المصدق 2007)
ــــــــــــــــ
(*) هذا المقال جزء من دراسة سابقة للباحث منشورة في المصدرالتالي
حسني إبراهيم عبد العظيم، الجسد والسلطة والمعرفة: دراسة تحليلية لإسهام ميشيل فوكو في تأسيس سوسيولوجيا الجسد، مجلة كلية الآداب ، جامعة بني سويف، ج.م.ع. العدد الثاني عشر- الجزء الثاني، إبريل 2008.

الأربعاء، 16 أبريل 2014

مفاهيم سوسيولوجية حديثة: (2) الهابيتوس (*)


حسني إبراهيم عبد العظيم


طرح عالم الاجتماع الفرنسي الكبيربيير بورديو(1930 – 2002) منظومة مفهومية جديدة new terminology في علم الاجتماع ترتكز عليها رؤيته للواقع ، وهي رؤية مغايرة في كثير من جوانبها للرؤية الكلاسيكية في علم الاجتماع .
فمن خلال سبعة وثلاثين كتاباً وما يناهز الأربعمائة مقالة ، قدم بورديو مصطلحات فنية صعبة تبدو للوهلة الأولى غامضة وصعبة المراس intractable بيد أن خلف هذه المفاهيم والمصطلحات المتنوعة والمربكة ، تكمن منظومة من المبادئ النظرية والأدوات التصورية والمقاصد العلمية والسياسية التي تمنح كتابات بورديو تماسكاً وانتظاماً ملحوظاً. (Waquant 2006:4) .

لقد أعاد بورديو قراءة المفاهيم الكلاسيكية في علم الاجتماع فأضفى عليها أبعاداً جديدة ومنحها آفاقاً سوسيولوجية أكثر اتساعاً ، كما أنه قام بصياغة مفاهيم جديدة أسهمت في إثراء المعجم السوسيولوجي ، ومن ثم تطوير النظرية في علم الاجتماع ، وسوف نناقش في هذا السياق واحدا من أهم مفاهيمه وأكثرها تعقيدا وهو مفهوم الهابيتوس.

يمثل الهابيتوس مفهوماً حاكماً في المشروع النظري لبيير بورديو ، وقد ظهر في أعماله المبكرة ، وقدم في كتاباته المختلفة تعريفات لا حصر لها وصياغات متنوعة لهذا المفهوم ، تعكس عمق تحليلاته وخصوبة تصوراته النظرية. (Throop Murphy 2002:186-187)

لقد أراد "برديو" من خلال صياغة هذا المفهوم أن يتجاوز ذلك التعارض العميق بين الموضوعية والذاتية ، الذي يمثل عقبة في سبيل تطور علم الاجتماع وانطلاقه لآفاق أوسع .فالنزعة الموضوعية تفترض أن الواقع الاجتماعي يتكون من مجموعة من العلاقات والقوى التي تفرض نفسها على الفاعلين، ولا تلتفت بحال إلى إرادة هؤلاء الفاعلين ووعيهم ، واستناداً إلى ذلك ينبغي على علم الاجتماع أن يقتفي أثر "دوركايم" في إدراك الظواهر الاجتماعية كأشياء والتركيز على النظم "الموضوعية" التي تحدد سلوك الأفراد واستجاباتهم، وعلى النقيض من ذلك تأخذ النزعة الذاتية من هذه الاستجابات أساساً لها، فوفقاً لهربرت بلومر H. Blumer وهارولد جارفنيكل ليس الواقع الاجتماعي إلا العدد الكلي من التفسيرات اللامتناهية للأحداث حيث يتفاعل الأفراد وفق المعاني المتفقين عليها. (Waquant 2006:6).

يعتقد بورديو أن التعارض بين الموضوعية والذاتية هو أمر مصطنع ومشوه mutilating فثمة علاقة جدلية بين الموضوعية والذاتية ، ولذا ينبغي أن يصيغ علماء الاجتماع توليفاً synthesis بين الموضوعية والذاتية ، ومن أجل تحقيق ذلك فقد صك بورديو ترسانة مفاهيمية Conceptual arsenal يأتي الهابيتوس في مقدمتها(Waquant 2006:6) .

يقول بورديو: لقد طورت مفهوم الهابيتوس للدمج بين البنى الموضوعية للمجتمع والأدوار الذاتية للأفراد الذين يعيشون فيه ، إن الهابيتوس هو مجموعة من الاستعدادات وصور من السلوك يكتسبها الأفراد من خلال التفاعل في المجتمع ، ويعكس المفهوم مختلف الأوضاع التي يشغلها الناس في مجتمعهم (Siisiainen:2000: )

فالهابيتوس هو نظام من الخطط الواعية وغير الواعية في التفكير والإدراك والاستعدادات التي تعمل كوسيط بين البنى"الموضوعية" والممارسة ... ويفسر الهابيتوس عملية إعادة انتاج الهيمنة الاجتماعية والثقافية، لأن الأفكار والأفعال التي يولدها تتوائم مع النظم الموضوعية أو النظم التي يمكن ملاحظتها إمبيريقياً في الواقع الاجتماعي (Mander 1987:428) .

وبذلك فإن مصطلح الهابيتوس يستخدم في الدلالة على مجموع الاستعدادات الجسدية والذهنية الدائمة التي تترتب على عملية التنشئة الاجتماعية للفرد، والتي تجعل منه فاعلاً اجتماعياً Social agent في إطار حقل أو مجال اجتماعي معين ، وتعمل هذه الاستعدادات باعتبارها نظاماً للخطط المولدة generative ، فهي مولدة لاستراتيجيات تكون مطابقة على نحو موضوعي لمصالح مؤلفيها، وتتشكل الاستعدادات من خلال تصور فئة معينة من الأفراد وتشربهم لنمط معين من أنماط الوجود ، ولذلك يتوسط مفهوم الهابيتوس بين البنى الموضوعية والممارسات ؛ لأن وظيفته هي أن يتجاوز التعارض بين الوعي واللاوعي ، بحيث يمكن القول إن الواقع الاجتماعي يوجد مرتين : في الأشياء ، وفي الأذهان ، في الحقول وفي الهابيتوس ، خارج الفاعلين وداخلهم ، ونتيجة لذلك يعبر الهابيتوس عن مواقف يتم فيها استدماج الواقع الخارجي بالنسبة للفرد ، والتجسيد الخارجي لذاتية ذلك الفرد. (أشرف عبد الوهاب 1999:106-105).
إن ثمة علاقة تبادلية بين قدرات الفرد واستعداداته (كما تتجلى في ممارساته) وبين البناء الاجتماعي ، فالهابيتوس كمجموعة من البنى المعرفية والإدراكية المستدمجة يتم إنتاجه في بيئة اجتماعية محددة ، وهذه البيئة يعاد إنتاجها من خلال قدرة الهابيتوس على التوليد generativity 2002:187 Throop& Murphy)).

واستناداً إلى ما سبق فإن الهابيتوس ليس مرتبطاً بتصورات الأفراد وخصائصهم واتجاهاتهم الشخصية فقط ، ولكنه مرتبطً أيضاً بالاستعدادات الجمعية مثل أنماط التفكير ، والإدراك ، والتقدير ، والممارسة ، ولذلك فإن الهابيتوس يؤثر في الأفعال اليومية مثل التذوق ، والملابس ، والأثاث ، والفن ، وعادات الاستهلاك ، وأنشطة وقت الفراغ لإنه نتاج ظروفه الموضوعية ذاتها (أشرف عبد الوهاب 1999:106).

ـــــــــــــ
(*) هذا المقال جزء من دراسة سابقة للباحث منشورة في المرجع التالي:
حسني إبراهيم عبد العظيم، الجسد والطبقة ورأس المال الثقافي: قراءة في سوسيولوجيا بيير بورديو، المجلة العربية لعلم الاجتماع(إضافات) العدد 15 صيف 2011.

السبت، 1 مارس 2014

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

 
"إن السوسيولوجيا تزداد قوة كلما ازداد النقد الفلسفي صرامة وان الفلسفة لا يمكنها أن تقوم قومة حقيقية إلا إذا امتنعت السوسيولوجيا عن إضفاء المشروعية على كل أشكال التحريض ضدها".

يعتقد البعض في وجود تنافس على الشرعية بين العلوم الإنسانية والفلسفة وخاصة بعد تحطم الشجرة الديكارتية واستقلال العلوم عن الفلسفة ويعزز مثل هذا الرأي منطقه بأن التفكير الفلسفي المعاصر صار تساؤليا مضاد للنسقية وأن الفلسفة لم يعد لها أي موضوع تهتم به غير اللانهائي والكليات والمطلق، بينما انقسمت العلوم الإنسانية أبعاده المتبقية ولكن مثل هذا الرأي متسرع ويفتقد إلى الدقة الضرورية لاسيما وأن الفلسفة حافظت على علاقة معينة مع الواقع الاجتماعي وخاصة في قسمها التطبيقي وظهر ذلك جليا مع مدرسة فرنكفورت النقدية وفكر 68 ، كما السوسيولوجيا لم تغيب كليا المفاهيم والمناهج الفلسفية من دائرتها واستخدمتها كآليات معالجة لمواضيعها.

من هذا المنطلق ليس كل تحليل اجتماعي للنظريات الفلسفية هو إعلان لإفلاسها وحفر لقبرها وليس كل بحث سوسيولوجي عن الممارسات والمؤسسات الفلسفية هو هجوم على الفلسفة والفلاسفة بل إن الاعتراف بالمنزلة الاجتماعية للفلسفة ينطوي على فلسفة بكاملها وان تبني الفلاسفة لاستراتجيات السوسيولوجيا هو تأكيد على لزوميتها كعدة منهجية لفهم ما يحدث للإنسان في العالم المعاصر .

إن الفلسفة الاجتماعية لا تكون أشد وضوحا إلا في العلاقة التي يؤسسها الفلاسفة مع التاريخ الاجتماعي وان فلسفة تاريخ الفلسفة هي بحد ذاتها سوسيولوجيا فلسفية وفلسفة خالدة والخلود الذي تزعمه القراءة التي تبعث الحياة في الأعمال الفلسفية هو نفسه ثمرة التزام تاريخي يتكرر دائما وفي هذا الصدد ذكر هيجل في دروسه عن تاريخ الفلسفة:"بما أن هؤلاء المؤرخين يفتقرون إلى الفكر الفلسفي فكيف يمكنهم أن يدركوا التفكير المعقول ويستحضروه؟ .

إن الفلاسفة إذا لم يتمكنوا من إيجاد قاعدة اجتماعية لأفكارهم فإنهم يتحولون إلى كائنات اخف من الملائكة وفئة مثقفة لا تجمع بينها روابط ولا تنشد إلى جذور. كما أن علماء الاجتماع غير معنيين بمعالجة المشاكل الفلسفية الميتافيزيقية مثل الوجود والذات والواحد والمطلق ولكنهم قد يفقدون صفة العلمية إذا ما عجزوا عن تحويل مثل هذه المعضلات إلى مشاكل قابلة لأن تعالج معالجة سياسية. لكن لماذا لم يجعل دعاة الفلسفة أفكارهم والتوظيفات الاجتماعية لهاته الأفكار موضوعا لسوسيولوجيا المعرفة؟ وماهو السبب الذي منع علماء الاجتماع من أن يجعلوا من تحاليلهم عن السلطة والرغبة والصراع والقرابة منزهة عن كل رغبة ومنفلتة من كل سلطة ومتعالية عن كل صراع وغير متحيزة لأية قرابة؟

إن الفلسفة ليست من أهم الوسائل المعرفية للتخلص من العمق الاجتماعي والتبري من حراك التاريخ بل هي عراك ميداني مع الوهم ونهوض اجتماعي نحو سياسة الحقيقة وإن الفيلسوف المنحدر من عامة الناس والمرتقي إلى النخبة الفكرية بفضل مجهوده النظري لن يبلغ درجة الوعي النقدي إلا إذا فضح كل أشكال الاغتراب النخبوي والتزم أشد التزاما بقضايا الناس الذين ينحدر منهم ويكرس حياته من أجل خدمتهم. كما أن السوسيولوجيا ليست تناول الظواهر الاجتماعية بالتشريح الطبي المحايد والأيادي النظيفة بل هي إمساك بأشياء الناس بالأيادي الحقيقية ورؤية مباشرة للأحداث الملموسة وان علماء الاجتماع هم حملة حرية وصناع أمل وعمال حقيقة وليسوا خدمة مؤسسات ولا أصحاب ولاءات أو وحراس سلطات. 

إذا أرادت الفلسفة أن تتخلى عن الأوهام فينبغي عيها أن تبادر بدراسة أشكال الصراع الاجتماعي وان تحشر نفسها في ذلك الصراع من أجل الوقوف إلى جانب الفئات الأقل حظا والانتصار إلى قيمها الكونية. إن الفيلسوف الذي يترقب التسميات وينتظر الوظائف له كائن غير فلسفي وإنسان بائس وما أشد بؤس الإنسان إن ظل دون مهمة ودون سند اجتماعي وان غاب عن علمه أن" الوظائف الاجتماعية هي أوهام اجتماعية" مثلما ذكر بيير بورديو في كتابه "الرمز والسلطة" خاصة وأن طقوس المؤسسة هي التي تجعل من يعترف بها ويدخلها أستاذا أو مديرا أو خبيرا. 

كما أن وجود السوسيولوجي لا يخلو من تناقض فهو يصدر قولا نافذا يحدد ماهية القول النافذ ويلقي درسا حول الحرية يصلح نموذجا لكل الدروس ولكنه يفعل ذلك باستغلال مركز النفوذ الذي تقلده في المؤسسة ولن يكون أبدا منطقيا مع نفسه ومنسجما مع قوله ودرسه بل مع نظام المؤسسة ومنطقها.
ما نلاحظه أن الفلسفة ما انفكت ترد الوقائع الاجتماعية إلى كائنات نظرية وأن السوسيولوجيا لم تنقطع عن رد الكائنات النظرية والأفكار المجردة إلى أشياء مادية ووقائع اجتماعية ورغم ذلك حققت السوسيولوجيا قطيعة مع الفلسفة التلقائية للتاريخ ومع الرؤية الشائعة للميدان الاجتماعي واقتدرت على تحليل الظواهر التاريخية طويلة الأمد وطبقت المنهج الفلسفي على الأنظمة الرمزية والمنظومات الدقيقة.
من البين إذن"أن السوسيولوجيا هي فن التفكير في أشياء تظهر مختلفة فيما بينها من حيث أنها متشابهة في بنيتها وطريقة عملها". وواضح أن العلاقة بين الفيلسوف والسوسيولوجي هي علاقة انعكاسية بحيث يعرض السيوسيولوجي أبحاثه على محك النقد الفلسفي ويخضع الفيلسوف ذاته لحكم المقاربة الاجتماعية والانعكاسية عند بيير بورديو تتمثل في كونها "تجعل الباحث يستعمل الاكتشافات المترتبة على ممارسته العلمية ليغربل دوره وليكشف العوامل الناتجة عن تاريخه الشخصي التي تشرط حاله كذات مفكرة والتي تؤثر على ممارسته العلمية وتشوش رؤيته للمجتمع بدون وعي في غالب الأحيان. ولذا يعد التحليل الانعكاسي شرطًا لا غنى عنه لكل ممارسة علمية حقيقية"..

هكذا تزداد الفلسفة تركيزا وتطورا كلما ازدادت السوسيولوجيا سعة وعمقا وهكذا تتولد القيم الفلسفية من الوقائع الاجتماعية كلما نجحت الفعالية التاريخية في ترجمة الأفكار الفلسفية إلى قوى إنتاج محركة للميدان الاجتماعي. فإذا كان المجتمع يخدع نفسه على الدوام وإذا كانت الفلسفة مجرد محاولة سياسية للتصرف في شؤون الحقيقة فإن الواقع التاريخي لا يرحم ذوي النزعة الإرادية الطوباوية ويحكم بالفشل على كل القلوب الطيبة ويبقي على المطمح السحري للكائنات التراجيدية بالرغم من تعرضها لأكثر أشكال الابتلاء التاريخي قسوة.

بقي أن نشير إلى أنه إذا كانت هناك حقيقة فلسفية فهذه الحقيقة هي مدار صراعات اجتماعية وهذا الصراع هو وحده الشاهد على تقدم الحقيقة الفلسفية. لكن كيف نصنع السوسيولوجيا ضد سلطة الفلسفة ونصنع الفلسفة بتمكين السوسيولوجيا من سلطة المعرفة؟ وهل من سبيل إلى قيام سوسيولوجيا فلسفية؟

المرجع:
بيير بورديو ، درس في الدرس، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء 1986.
كاتب فلسفي