‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيير بورديو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيير بورديو. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 أبريل 2014

مفاهيم سوسيولوجية حديثة: (2) الهابيتوس (*)


حسني إبراهيم عبد العظيم


طرح عالم الاجتماع الفرنسي الكبيربيير بورديو(1930 – 2002) منظومة مفهومية جديدة new terminology في علم الاجتماع ترتكز عليها رؤيته للواقع ، وهي رؤية مغايرة في كثير من جوانبها للرؤية الكلاسيكية في علم الاجتماع .
فمن خلال سبعة وثلاثين كتاباً وما يناهز الأربعمائة مقالة ، قدم بورديو مصطلحات فنية صعبة تبدو للوهلة الأولى غامضة وصعبة المراس intractable بيد أن خلف هذه المفاهيم والمصطلحات المتنوعة والمربكة ، تكمن منظومة من المبادئ النظرية والأدوات التصورية والمقاصد العلمية والسياسية التي تمنح كتابات بورديو تماسكاً وانتظاماً ملحوظاً. (Waquant 2006:4) .

لقد أعاد بورديو قراءة المفاهيم الكلاسيكية في علم الاجتماع فأضفى عليها أبعاداً جديدة ومنحها آفاقاً سوسيولوجية أكثر اتساعاً ، كما أنه قام بصياغة مفاهيم جديدة أسهمت في إثراء المعجم السوسيولوجي ، ومن ثم تطوير النظرية في علم الاجتماع ، وسوف نناقش في هذا السياق واحدا من أهم مفاهيمه وأكثرها تعقيدا وهو مفهوم الهابيتوس.

يمثل الهابيتوس مفهوماً حاكماً في المشروع النظري لبيير بورديو ، وقد ظهر في أعماله المبكرة ، وقدم في كتاباته المختلفة تعريفات لا حصر لها وصياغات متنوعة لهذا المفهوم ، تعكس عمق تحليلاته وخصوبة تصوراته النظرية. (Throop Murphy 2002:186-187)

لقد أراد "برديو" من خلال صياغة هذا المفهوم أن يتجاوز ذلك التعارض العميق بين الموضوعية والذاتية ، الذي يمثل عقبة في سبيل تطور علم الاجتماع وانطلاقه لآفاق أوسع .فالنزعة الموضوعية تفترض أن الواقع الاجتماعي يتكون من مجموعة من العلاقات والقوى التي تفرض نفسها على الفاعلين، ولا تلتفت بحال إلى إرادة هؤلاء الفاعلين ووعيهم ، واستناداً إلى ذلك ينبغي على علم الاجتماع أن يقتفي أثر "دوركايم" في إدراك الظواهر الاجتماعية كأشياء والتركيز على النظم "الموضوعية" التي تحدد سلوك الأفراد واستجاباتهم، وعلى النقيض من ذلك تأخذ النزعة الذاتية من هذه الاستجابات أساساً لها، فوفقاً لهربرت بلومر H. Blumer وهارولد جارفنيكل ليس الواقع الاجتماعي إلا العدد الكلي من التفسيرات اللامتناهية للأحداث حيث يتفاعل الأفراد وفق المعاني المتفقين عليها. (Waquant 2006:6).

يعتقد بورديو أن التعارض بين الموضوعية والذاتية هو أمر مصطنع ومشوه mutilating فثمة علاقة جدلية بين الموضوعية والذاتية ، ولذا ينبغي أن يصيغ علماء الاجتماع توليفاً synthesis بين الموضوعية والذاتية ، ومن أجل تحقيق ذلك فقد صك بورديو ترسانة مفاهيمية Conceptual arsenal يأتي الهابيتوس في مقدمتها(Waquant 2006:6) .

يقول بورديو: لقد طورت مفهوم الهابيتوس للدمج بين البنى الموضوعية للمجتمع والأدوار الذاتية للأفراد الذين يعيشون فيه ، إن الهابيتوس هو مجموعة من الاستعدادات وصور من السلوك يكتسبها الأفراد من خلال التفاعل في المجتمع ، ويعكس المفهوم مختلف الأوضاع التي يشغلها الناس في مجتمعهم (Siisiainen:2000: )

فالهابيتوس هو نظام من الخطط الواعية وغير الواعية في التفكير والإدراك والاستعدادات التي تعمل كوسيط بين البنى"الموضوعية" والممارسة ... ويفسر الهابيتوس عملية إعادة انتاج الهيمنة الاجتماعية والثقافية، لأن الأفكار والأفعال التي يولدها تتوائم مع النظم الموضوعية أو النظم التي يمكن ملاحظتها إمبيريقياً في الواقع الاجتماعي (Mander 1987:428) .

وبذلك فإن مصطلح الهابيتوس يستخدم في الدلالة على مجموع الاستعدادات الجسدية والذهنية الدائمة التي تترتب على عملية التنشئة الاجتماعية للفرد، والتي تجعل منه فاعلاً اجتماعياً Social agent في إطار حقل أو مجال اجتماعي معين ، وتعمل هذه الاستعدادات باعتبارها نظاماً للخطط المولدة generative ، فهي مولدة لاستراتيجيات تكون مطابقة على نحو موضوعي لمصالح مؤلفيها، وتتشكل الاستعدادات من خلال تصور فئة معينة من الأفراد وتشربهم لنمط معين من أنماط الوجود ، ولذلك يتوسط مفهوم الهابيتوس بين البنى الموضوعية والممارسات ؛ لأن وظيفته هي أن يتجاوز التعارض بين الوعي واللاوعي ، بحيث يمكن القول إن الواقع الاجتماعي يوجد مرتين : في الأشياء ، وفي الأذهان ، في الحقول وفي الهابيتوس ، خارج الفاعلين وداخلهم ، ونتيجة لذلك يعبر الهابيتوس عن مواقف يتم فيها استدماج الواقع الخارجي بالنسبة للفرد ، والتجسيد الخارجي لذاتية ذلك الفرد. (أشرف عبد الوهاب 1999:106-105).
إن ثمة علاقة تبادلية بين قدرات الفرد واستعداداته (كما تتجلى في ممارساته) وبين البناء الاجتماعي ، فالهابيتوس كمجموعة من البنى المعرفية والإدراكية المستدمجة يتم إنتاجه في بيئة اجتماعية محددة ، وهذه البيئة يعاد إنتاجها من خلال قدرة الهابيتوس على التوليد generativity 2002:187 Throop& Murphy)).

واستناداً إلى ما سبق فإن الهابيتوس ليس مرتبطاً بتصورات الأفراد وخصائصهم واتجاهاتهم الشخصية فقط ، ولكنه مرتبطً أيضاً بالاستعدادات الجمعية مثل أنماط التفكير ، والإدراك ، والتقدير ، والممارسة ، ولذلك فإن الهابيتوس يؤثر في الأفعال اليومية مثل التذوق ، والملابس ، والأثاث ، والفن ، وعادات الاستهلاك ، وأنشطة وقت الفراغ لإنه نتاج ظروفه الموضوعية ذاتها (أشرف عبد الوهاب 1999:106).

ـــــــــــــ
(*) هذا المقال جزء من دراسة سابقة للباحث منشورة في المرجع التالي:
حسني إبراهيم عبد العظيم، الجسد والطبقة ورأس المال الثقافي: قراءة في سوسيولوجيا بيير بورديو، المجلة العربية لعلم الاجتماع(إضافات) العدد 15 صيف 2011.

مفاهيم سوسيولوجية حديثة: (1) صورة الجسد

حسني إبراهيم عبد العظيم

يتضمن المعجم السوسيولوجي المعاصر جملة من المفاهيم الجديدة التي لم تكن مطروحة في التراث الكلاسيكي، وتعكس هذه المفاهيم مدى تطور الدرس السوسيولوجي وارتياده لآفاق معرفية جديدة، وإيمانا من كاتب هذه السطور بأهمية المعرفة السوسيولوجية وضرورتها أيضا، فسوف يقدم إسهاما متواضعا يتضمن عرضا موجزا – على مدار حلقات - لبعض المفاهيم الحديثة في القاموس السوسيولوجي. وسوف يحرص الكاتب على تنوع هذه المفاهيم بحيث تعكس التطور الفكري لعلم الاجتماع، وعلى اعتبار أن سوسيولوجيا الجسد يمثل أحد النظم المعرفية الجديدة والواعدة في البحث السوسيولوجي فسيكون انطلاقنا منها في عرض المفاهيم.
صورة الجسد: Body Image

شغل الجسد الإنساني موقعاً متميزاً في جدل النظرية الاجتماعية على مدار العقدين الأخيرين، وذلك من خلال الأطروحات والمناقشات الواسعة التي قدمتها المداخل المتنوعة في النظرية الاجتماعية (Wilkin 2008: 35) فثمة احتفاء بالجسد باعتباره مفهوماً نابضاً Animating Concept من جهة، وحاضراً فعلياً في إطار الحداثة الراهنة من جهة أخرى، فهو يحتل مكانة عالية في تلك الحداثة، كما أنه يمثل مفتاحاً مهماً في تفسيراتها، فنحن نحتاج فقط أن نتأمل تلك الحقائق شديدة الوضوح المتعلقة بالخبرة الجسدية Bodily experience - والحقيقة أن كل خبرة هي خبرة جسدية بالضرورة - لنكون على وعي بالسمة الحقيقية للحياة المعاصرة. (Ferguson 1997: 1) ونتيجة لذلك فقد اتجهت العلوم الاجتماعية – والإنسانيات أيضاً- خلال العقود الأخيرة بشكل متزايد نحو استكشاف Exploration إشكالية الجسد في الحياة الاجتماعية؛ وذلك من أجل فهم تعقد مسارنا وتواصلنا التاريخي الإنساني. (Turner 1992: 31)

إن الجسد –كما يستخدم في المجال السوسيولوجي- لا يقصد به الجسد في خصائصه البيولوجية أو الفسيولوجية، أي مجموعة من الأعضاء والمهام المتراصة في تركيب طبيعي حسب قانون علم التشريح، وإنما يقصد به الجسد كمنتوج اجتماعي، كبناء اجتماعي- ثقافي، مجال تمثلات ومخيالات، أي الجسد في مظاهره وتعبيراته الخارجية الرمزية المكتسبة، المعبرة عن ثقافة الجماعة التي ينتمي إليها حامله. إن الجسد الطبيعي يختفي وراء شبكة من الرموز والطقوس والعلامات تبرزه على الواجهة الاجتماعية. (زينب المعادي 2004: 15)

إن التحليل السوسيولوجي الأنثروبولوجي المعاصر للجسد يميل إلى تجاهل العمليات «المادية» للجسد، باعتبار أن هذه العمليات تقع خارج دائرة اهتمام العلوم الاجتماعية، ويحاول الخطاب السوسيولوجي والأنثروبولوجي أن يعطي الأولية للطرق التي يصبح من خلالها الجسد موضوعاً للخطاب الرمزي. (Lyon 1997: 83) فالمقاربة السوسيولوجية الأنثروبولوجية لا تتعاطى مع الجسد باعتبارة كيانا عضويا فقط، وإنما باعتبارة بنية اجتماعية – ثقافية، وهو مايعرف بصورة الجسد.

يعرف معجم التراث الأمريكي The American Heritage Dictionary في طبعته الرابعة الصادرة عام 2000 "صورة الجسد" Body Image بأنها التصور الذاتي للفرد عن مظهره العضوي مرتكزا في هذا التصور على ملاحظته الذاتية ووجهة نظر الآخرين. وفي التراث العلمي تعد صورة الجسد مفهوما متعدد الأبعاد يتضمن الإدراك الذاتي للفرد واتجاهاته حيال مظهره العضوي، ويشمل أيضا الأبعاد المعرفية والسلوكية والوجدانية والتصورية. (Friedman& Martinez 2008:500)

ويستخدم مصطلح «صورة الجسد» لوصف كل الطرق التي يكون بها الفرد مفهوماً عن جسده، ويشعر به سواء بوعي أو بدون وعي، ويتضمن ذلك أحاسيس الفرد وتخيلاته عن جسده، بالإضافة إلى الأسلوب الذي يتعلم الشخص من خلاله تنظيم وتكامل خبراته الجسدية، ومن ثم فإن صورة الجسد هي شيء يكتسب بواسطة الشخص في جماعة أو مجتمع معين وذلك على الرغم من وجود اختلافات في هذه الصورة داخل المجتمع الواحد. (نجلاء خليل 2006: 222)

إن صورة الجسد ليست إلا الجسد كما يُرى، وكما يبدو في المجتمع، إنها انعكاس له، لكنها ليست الجسد ذاته، هي شيء أكبر من الجسد، أي أكبر من تلك البنية الفسيولوجية المترابطة، إن ثمة ترابط بين الجسد وصورته، وصورة الجسد هي أمر جوهري بالنسبة للجسد، بحيث لا يمكن فهم الجسد دون تلك الصورة التي يبدو عليها في الواقع، ولهذا؛ فإننا نصنع لأنفسنا صورة لكيفية ظهورنا للآخرين، إن صورة الجسد هي بنية عقلية Mental Construct لمظهرنا في المجتمع. (Ferguson 1997: 5-6)

يتبين إذن أن صورة الجسد هي مفهوم عقلي يعكس رؤية المجتمع للجسد، أي كيف يبدو الجسد ويظهر لأفراد المجتمع، وبمعنى آخر تعني الإنتاج الاجتماعي للجسد، فالجسد يتم إنتاجه اجتماعياً Socially produced ويتم تشكيله ثقافياً Culturally constructed. فعلى الرغم من أن الكيان العضوي للجسد متشابه بنائياً ووظيفياً لدى كل البشر، إلا أن القيم والمعتقدات والممارسات المرتبطة به تتباين تبعاً لتباين البنى الاجتماعية والنظم الثقافية للمجتمعات الإنسانية.

الجمعة، 26 يوليو 2013

النظرية الاجتماعية عند بيير بورديو: تغير أنماط الصراع - زهير قاسيمي


بيير بورديو، سوسيولوجي فرنسي " 1غشت 1930م- 23يناير2002م"، بزغ نجمه في سماء المختصين سنة 1964 عندما نشر كتابه "الورثة " الذي ألفه مع جون كلود باسرون، إلا أن شهرته ستزداد أكثر فأكثر عند إصداره لكتابه التمييز – التمييز سنة 1979 ، كما كان محط اهتمام الوسائل الإعلامية الفرنسية سنة 1968 عندما شارك في الإضرابات الطلابية،التي كانت بمثابة نقطة تحول في الميدان التعليمي الجامعي الفرنسي.

ما يطبع النظرية الاجتماعية عند بيير بورديو، كونها تحاول إعادة إنتاج المجتمع ضمن عالم رمزي،يحمل في طياته بعدا إمبريقيا، وقد عبر عن ذلك في مقولته الشهيرة: "لنظرية بدون بحث إمبيريقي خواء، والبحث الإمبيريقي بدون نظرية هراء".

إن سوسيولوجيا بورديو حريصة حرصا شديدا على ضرورة تحويل السوسيولوجيا إلى علم مثل باقي العلوم، له لغته الخاصة به وقوانينه ومبادئه ومفاهيمه التفسيرية ونظرياته القائمة بذاتها، ولذلك لا نجده يتردد في استخدام كل الأدوات والأسلحة الممكنة، لتحويل الخطاب السوسيولوجي إلى خطاب علمي ممنهج، فهو بذلك يوجه "النقد الصارم لمجموعة من النزوعات المنتشرة كثيرا بين علماء الاجتماع، والتي أساءت إلى هذا العلم ومنعت تطوره في اتجاه بناء نظرياته كالنزعة الاقتصادية "التحليل الماركسي" التي تفسر كل شيء بالعودة إلى الاقتصاد، والنزعة الوصفية التي تكتفي بملاحظة الوقائع والظواهر الاجتماعية دون ان تفسر في النهاية أي شيء".

فبورديو لا ينظر إلى المجتمع كظواهر اجتماعية جاهزة يقوم الدارس بوصف أوجهها وأجزائها في وضعها الخام، بل كموضوع للبحث العلمي، بل بعبارة أخرى فهو ينظر إليه كعملية بناء تقوم على التمييز بين مجموعة من الحقول المختلفة، بحيث لا يمكن فهم مستوياتها إلا بالنفاذ إلى نسق من العلاقات الداخلية الجوهرية التي كانت بعيدة من قبل عن المساءلة .، فموضوعات العلم لا توجد على نحو جاهز وبشكل مباشر في الواقع، ولا يمكن تفسيره انطلاقا من التمثلات الحاضرة عند جميع الأفراد التي لها ارتباط بالحس المشترك . ومن هذا المنطلق يقول بيير بورديو "أن تشيد الموضوع العلمي يعني أولا وقبل كل شيء قطع أواصر الصلة بالحس المشترك أي ببعض التمثلات التي يقتسمها الجميع "..." فماهو مشيد مسبقا يوجد في كل مكان، ويجد السوسيولوجي محاصرا به مثل جميع الأفراد، فهو ملزم بأن يعرف عالما " العالم الاجتماعي" يعتبر هو نفسه نتاجا له" . – ببيير بورديو- الشك الجذري – مجلة الملتقى – العدد 9-10 السنة 2002 ص 102.

لم يتوقف نقد بيير بورديو للتصورات الماركسية ورفع الستار عن عوائقها بل ذهب إزاء ذلك إلى البحث عن إجابات سوسيولوجية للظاهرة الاجتماعية عن طريق ابتكاره لمجموعة من المفاهيم الأساسية:

* مفهوم الحقل: من الإبداعات التي ارتبطت باسم بيير بورديو نحته لمفهوم الحقل الاجتماعي، فقد رفض تصور ماركس للمجتمع كوحدة متكاملة منسجمة تعيش حالة من الصراع الأبدي بين طبقاته، بل فضل الجهاز البوردياوي تقسيم المجتمع إلى حقول لها استقلالها النسبي ومنطقها الخاص بها بعيدا عن كل النزاعات المختزلة للوقائع والحقائق الاجتماعية " كالحقل السياسي، الحقل الاقتصادي، الحقل الثقافي ..."، ففي كتابه "أشياء مقولة" والذي نشره سنة 1987 يرى أن "العمل الذي أعده حول نظرية الحقول، والتي يمكن نعتها بتعدد العوالم، ستنجز بواسطة التأمل حول تعددية المنطق الذي يتوافق مع العوالم المختلفة، بمعنى الحقول كأماكن تشكل فيها الحس المشترك، أماكن مشتركة، أنساق نموذجية، لا يمكن اختزال بعضها في البعض الآخر".

إن هذا التقسيم يمكن عالم الاجتماع من دراسة المجال والتعرف عليه في جوهره كما هو، وذلك برصد مختلف معطياته وأوضاعه ومؤشراته، دون الوقوع في الأحكام العامة. أو بإيضاح أكثر الحقل عند بيير بورديو ليس مجرد تمثل ذاتي أو بناء نظري للعالم، بل على العكس له وجود واقعي مادي، تعكس صورته المؤسسات التي تعبر عنه وتحدد كيانه، لكن ليس بعيدا عن مجموعة من الفاعلين الاجتماعيين الذين يعتبرون بمثابة عملاء قبلوا استثمار ذواتهم وإمكاناتهم المادية والمعنوية داخل حقل معين، بل أكثر من ذلك سمحوا لأنفسهم أن يتعرضوا لشتى أنواع المنافسة والصراع لكن ليس بصورة مادية بل بصورة رمزية.

يتميز الحقل إذن بالخصائص التالية:

* كل حقل هو عبارة عن سيرورة تاريخية، فهو يمر بعدة مراحل طويلة وبطيئة، وصراعات متعددة، الهدف منها الحصول على الاستقلال الذاتي، ففي كتابه "أسباب عملية" ضرب المثل بيير بورديو بالحقل الأدبي الفرنسي الذي لم يكتمل بشكل عملي إلا في أواخر القرن التاسع عشر مع غوستاف فلوبير"1"، وذلك بفعل تعميم التعليم وتشجيع القراءة، كما ظهر كتاب متخصصين في ميدان الأدب " التيار الواقعي – التيار الرومانطيقي"، لا يملكون عملا يعيشون منه إلا من النشر والمكتبات التجارية...إلخ.

* كل حقل يحمل في ثناياه نمطين من الصراع، الأول داخلي بين عملائه وفاعليه الذين يتنافسون من أجل أخذ مراكز القوة والتعبير عن الحقل وتمثيله، واحتكار منافعه التي يجنيها، ومن جهة أخرى يخضع الحقل للصراع بين ممثليه القدماء أو كما يسميها بورديو "الأسماء المكرسة "والوافدين الجدد عليه . أما الثاني فهو صراع خارجي بين الحقل برمته أي ببنيته الكاملة وباقي الحقول المنافسة، ولكن في نظر بورديو لا يمكن الحديث عن هذا النوع من الصراع إلا إذا توفر حد أدنى من المصالح المشتركة بين مختلف العملاء الذين ينتمون إلى الحقل الواحد.

إن بنيوية بورديو حاضرة هنا، بل هي بنيوية تكوينية، فالحقل في كلمتين بنية مبنية Structure structuré أي بنية موضوعية مستقلة ومحايدة عن وعي وإرادة الأفراد وتمثلاتهم من جهة ومن جهة أخرى فالحقل يتكون تاريخيا عبر مسلسل استقلال طويل.

2- مفهوم الهابيتوس: في كتابه الحس العملي تطرق بيير بورديو إلى مفهوم الهابيتوس فعرفه على أنه نسق من الاستعدادات المستمرة والقابلة للتحويل والنقل، بنى مبنية مستعدة للاشتغال بصفتها مبادئ مولدة ومنظمة لممارسات وتمثلات". فالأبيتوس في دلالته وصيغته النهائية هو "المجتمع وقد استقل في الجسم عن طريق سيرورة التربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم والترويض، فالمجتمع هنا بكل قيمه وأخلاقياته، بكل محددات السلوك والتفكير والاختيار... إنه ذلك التاريخ الذي يسكن الأشخاص في صورة نظام قار للمؤهلات والمواقف".
الأبيتوس عند بيير بورديو دليل على قوى الأصل في الوسط الاجتماعي، وهي دعوة إلى التقريب بين الحتمية الاجتماعية من جهة والفردانية من جهة أخرى، إنه يسعى إلى كشف ماهو خارجي – داخلي، كشف المشترك في البحث عما هو فردي، فالبنيتين الداخلية والخارجية هما صورتين لحقيقة واحدة، للتاريخ المشترك، ذلك التاريخ المنقوش في الذات وفي الأشياء.

3- مفهوم الرأسمال: انتقد مرة أخرى الجهاز البوردياوي النظرة الماركسية للرأسمال التي حصرت هذا المفهوم في الجانب المادي، واعتبرت المجتمع ماهو إلا صراع مستمر بين الطبقات الاجتماعية في إطار مادي تاريخي، مع العلم أن المجتمع تتنافس فيه مجموعة من الرساميل، الكل يسعى إلى تحصيلها ومراكمتها واستثمارها في نفس الوقت، بعض هذه الرساميل يمكن أن تتحول إلى رأسمال رمزي، حتى يتم الاعتراف بها اجتماعيا، تصبح بذلك مصدرا لسلطة مشروعة فعالة في لحظات الصراع، هذه الأنواع هي بالإضافة إلى الرأسمال الرمزي، هناك الرأسمال الاجتماعي، الثقافي، ...

*- الرأسمال الثقافي: إنه مجموع المعارف والكفايات والمهارات من مختلف الأصناف النظرية والعملية في إطار ثقافة معينة، واستثماره في حقل اجتماعي معين ، يجلب لمالكه قيمة مضافة مادية أو رمزية أوهما معا.

*- الرأسمال الاجتماعي: هو مجموع الثروات الفعلية أو المفترضة التي يتوفر عليها فرد ما أو جماعة معينة بسبب امتلاكه لشبكة مستمرة من العلاقات، ومن المعارف والاعترافات المتبادلة الممأسسة تقريبا، أي مجموع الرساميل والسلطات التي تخول لشبكة ما إمكانية تداولها. ينبغي التسليم بأن الرساميل يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة، إذا ما تطلب الأمر تفسير بنية وحركية المجتمعات المتمايزة.

4 - مفهوم العنف والسلطة الرمزيين:

لكي نفهم بشكل واضح استعمال هذين المفهومين عند بورديو لا بد من الوقوف أولا عند التصور الماركسي للعنف والسلطة، وهنا سنأخذ أحد النماذج الواضحة في علم الاجتماع الألماني والتي تعتبر محطة أساسية في قلب التنظير السياسي، إنه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر"2"، يذهب هذا الأخير في نفس تصور ماركس للعنف، فيعتبر أن العنف المادي –أو بتعبير بورديو العنف البوليسي- تربطه علاقة حميمية بالدولة فمنذ القديم اتخذت التجمعات السياسية المختلفة ... العنف المادي وسيلة عادية للسلطة. وعلى العكس من ذلك يجب أن نتصور الدولة المعاصرة كجماعة بشرية تطالب بحق احتكار استعمال العنف الفيزيائي المشروع لصالحها "ماكس- فيبر رجل العلم ورجل السياسة – بيروت – دار الحقيقة – 1982 ص 46.

إن هذا التصور لعلاقة العنف بالسلطة يظل قاصرا من وجهة نظر بيير بورديو، فالعنف الرمزي بدوره وسيلة لممارسة السلطة فهو " شكل من أشكال السلطة تمارس على فاعل إجتماعي بتواطؤ منه، وكيفما كان الحال فهذه الصياغة خطيرة، لا تفتح الباب أمام مناقشات مدرسية حول مسألة معرفة ما إذا كانت السلطة تأتي من أسفل وإذا ما كان المسود يرغب في الحالة المفروضة عليه "..." فإن أشدها "أشكال العنف " هو ذلك الذي يمارس في نظام الأشياء "- بيير بورديو- أسئلة علم الاجتماع ص25

إن العنف الرمزي حسب بيير بورديو هو عنف غير مرئي، لطيف ولين وعذب، يقوم على إلحاق الضرر بالآخرين عبر اللغة والتربية...، إلى جانب ذلك يذهب بيير بورديو في كتابه "إجابات" إلى انه "يمكن ان يحقق العنف الرمزي نتائج أحسن مما يحققه العنف السياسي البوليسي..." وهذا هو جوهر اختلاف بيير بورديو مع التيار الماركسي، وهنا يعود في نفس المؤلف السابق إلى التصريح على " أن احد اكبر مظاهر النقص في الماركسية هوانها لم تخل مكانا لمثل هذه الأشكال اللطيفة من العنف – أي العنف الرمزي – التي هي فاعلة ومؤثرة حتى في المجال الاقتصادي".

تتمتع إذن السلطة الرمزية بمجموعة من المميزات والخصائص:

- لها القدرة على تكوين المعطى عن طريق العبارات اللفظية.
- لها قدرة على الإقناع، وإعطاء تصور حول العالم أو تحويله، ومن ثم قدرة على تحويل التأثير في العالم وبالتالي - العالم نفسه.
- تعتبر بمثابة عصا سحرية تمكن من بلوغ ما يعادل قوة طبيعية أو اقتصادية، وذلك بفضل قدرتها على التعبئة.
السلطة الرمزية هي شكل من أشكال السلط الأخرى.

*- التلفزة كنموذج للعنف الرمزي: التلفزة هي ذلك الضيف الغريب الذي دخل بيوتنا ومجتمعنا، فلم يعد ضيفا بل جزءا لا يتجزأ من واقعنا الاجتماعي، بل أطلق عليه علماء الإجتماع "بالضيف الإجباري". إن العنف التلفزي يبدو واضحا من خلال سلسلة البرامج والفقرات التي يتناولها تباعا، فبورديو ينطلق في كتابه "في التلفزة" الذي نشره سنة 1996 من فكرة أساسية مفادها أن التلفزة أداة للقمع، وذلك راجع إلى الكم الهائل من الثقافات التي يعرضها هذا الجهاز والتي في أغلب الأحيان ما يميل الناس إلى تصديقها بهدف البحث عن نموذج لديموقراطية مباشرة. إن جهاز التلفاز بهذا المعنى البوردياوي ليس الوسيلة الناجعة لغذاء الفكر وإبداء الرأي، بل هي وسيلة لتصدير المعلومات كوجبات خفيفة وسريعة مقترنة بإيديولوجيات خفية.

يصرح بيير بورديو في كتابه "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول": "أحد المشاكل الكبرى التي يطرحها التلفزيون هي العلاقة بين التفكير والسرعة. هل يمكن التفكير أثناء اللهثات بسرعة؟ وهكذا حصل التلفزيون على مفكرين "على السريع"، عندما أعطى مجال الحديث لمفكرين أجبرهم على أن يفكروا بسرعة متزايدة. مفكرون يفكرون بأسرع من ظلهم."

*-المؤسسة التعليمية كصورة من صور العنف الرمزي

تنطلق المقاربة الإمبريقية للمؤسسات التعليمية في الجهاز المفاهيمي لبيير بورديو من مبدأ تكافؤ الفرص، فإذا كانت المؤسسة التعليمية كحقل يتمتع باستقلال نسبي له قوانينه الخاصة ، يستمد مادته الخام"التلاميذ" من المجتمع الذي ينتمي إليه بجميع مكوناته الثقافية، من عادات وتقاليد،أو بعبارة بورديو مجموع "الجينات المتوارثة"، فإنها تعمل على ترسيخ هذه المكونات عن طريق شحن التلميذ منذ طفولته بمجموعة من القيم التي لا تبتعد في مضمونها عن عادات وتقاليد المجتمع الذي تنتمي إليه بشكل غير ملموس ومرئي،لتعطينا مجتمعا "مربى" سيعمل في ما بعد بدوره على إمداد هذه المؤسسات بالمادة الخام وهكذا دواليك، وفي حال فشلت عملية التربية فإن المؤسسة تضطر لإعادة إنتاجه عبر مفعول ارتجاعي.
إلا أنها في نفس الوقت تعمل على تكريس التفاوتات الرمزية- المادية لدى الطبقات الاجتماعية، فإذا أخذنا مثال اللغة مثلا فإن التلميذ الذي يملك رأسمال مادي مرتفع تجده يختزن رصيدا معرفيا هاما مقارنة مع الفقير، وبذلك فالأسرة تستثمر الرأسمال المادي لتحوله إلى رأسمال ثقافي، فالأول تجده يتعامل بواسطة بروتوكول لغوي خاص به يعبر عن مستواه الثقافي، وبذلك تكون فرصة الغني أكثر بكثير مما لدى الفقير. إن عدم تكافؤ الفرص l’inégalité des chances هو قمع ذهني تقوم به المؤسسة بتواطؤ مع المجتمع دون أن نحس أو نشعر به.

5- مفهوم الإنعكاسية: الوسيلة الأولى التي يجب أن يتوفر عليها الباحث وهو يحاول القيام بتحقيقه حول الظاهرة الاجتماعية، تتمثل في ما يدعوه بورديو بالانعكاسية، أي أن يعكسا المحقق ذاته وهو يحاول تطبيق منهجه ومبادئه على عمله بنفسه. إلا أن دعوة بورديو تضيف شرطا أساسيا في عمل هذا المفهوم، هو ان تنطلق هذه الذات المنعكسة على ذاتها من الفعل، ورد الفعل يتأسس على الممارسة المهنية أو على تصور سوسيولوجي يفتح الباب أمام الاستحواذ والسيطرة على مختلف الحوارات.

إن الحياد المعرفي و الإبستمولوجي في الدراسات الوضعية - في نظر بورديو- بمثابة حلم، يحمل وراءه مفارقة بين علم يسعى إلى بناء نظريات علمية سوسيولوجية، عبر الانطلاق من فرضيات ومحاولة التأكد منها، وعلوم أخرى لا تبالي بهذه البناءات والنظريات.

أخيرا، يمكن الإشارة إلى أن بيير بورديو وضع نظرية تحاول إعادة النظر في الآليات التي تبناها علماء الاجتماع في فترة كان العالم يعيش فيها حالة مخاض عسيرة، فأمام الحروب الدامية، من جهة، والتقدم العلمي والتكنولوجي المطرد،من جهة أخرى، سيتبلور فكر جديد قائم على العقلنة والتي عرفها ماكس فيبر "اختيار أنسب الوسائل للوصول إلى أنسب الأهداف"، وهذا ما حاول تأكيده المهندس وعالم الاقتصاد والسوسيولوجي الإيطالي فيلفريدو باريتو "3"، حيث ذهب إلى أن مختلف سلوكات الأفراد داخل المجتمع ترتكز على العواطف والأحاسيس، في غياب التفكير العقلي كان يعتقد أن النخب السياسية تحافظ على سلطتها بالمناورات وأساليب الإكراه التي تخاطب العقل لا العاطفة.

الشبكة العربية العالمية
________________
*زهير قاسيمي :  أستاذ مادة الفلسفة – أزيلال- أفورار
- الهوامش:
1- غوستاف فلوبير: روائي فرنسي شهير ينتمي للمدرسة الواقعية ولد سنة 1821- وتوفي سنة 1880، أصدر مجموعة من الروايات، لكن الرواية التي حضيت باهتمام الأدباء والنقاد، هي رواية "مدام بوفاري" باعتبارها أول رواية مزجت بين اللمسة الواقعية والإحساس الرومنطيقي.
2- ماكس فيبر : عالم اجتماع ألماني من مؤسسي علم الاجتماع الحديث، ولد سنة 1864م – وتوفي سنة 1920 يعتبر مرجعا أساسيا في الإقتصاد والسياسة من أهم أعماله : "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية".
3- فيلفريدو باريتو "1848م-1923م" : عالم اقتصادي شهير ومنظر إداري، صاحب نظرية باريتو المعروفة في علم الإدارة، من بين أشهر مقولاته " التاريخ مقبرة الطبقات الأرستقراطية ".
- المراجع المعتمدة:
- عبد الكريم الموريد : بحث جامعي حول بيير بورديو وإعادة الإنتاج الاجتماعي
- الهم الاجتماعي- قراءة في كتاب بؤس العالم لبيير بورديو وآخرين : فخري صالح
- ماكس- فيبر رجل العلم ورجل السياسة – بيروت – دار الحقيقة – 1982
- بيير بورديو- الشك الجذري – مجلة الملتقى – العدد 9-10 السنة 2002
- نظرية العنف الرمزي عند بيير بورديو – أفكار مغربية - إبراهيم بلوح – د . العطري عبد الرحيم – 14ديسمبر2009
- بهجة المعرفة – موسوعة علمية مصورة – المجموعة الثانية – الطبعة الثانية – ج2 -